دور نزيهة الدليمي في المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي العراقي

سعد سوسه
Saadalsultan5@gmil.com

2021 / 12 / 9

في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1971, طرحت الحكومة العراقية مسودة(ميثاق العمل الوطني) تضمن الميثاق مقدمة وأبواب متعددة, وجاء في مقدمته " إن من أبرز أسباب قدرة الحركات الثورية العربية على تحقيق النصر, وعيها لدور العمل المشترك والتحالف بين فصائلها " وختمت المقدمة بالقول " إن إعلان هذا الميثاق يأتي استجابة حقيقية للشعور الكامل بالمسؤولية التاريخية والوعي الشامل لأبعادها, وأن قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي إذ تطرح هذا الميثاق للمناقشة تأمل, في الوقت نفسه, أن تعبر جميع القوى والعناصر الوطنية والتقدمية عن استعداد مخلص لفتح صفحة جديدة مشرقة في تاريخ نضالها الطموح من أجل أهدافنا الوطنية والقومية"), التي عدها الحزب الشيوعي مدخلاً صالحاً للحوار, وأصدر بياناً بهذا الشأن في السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام نفسه, تضمن الموافقة على تلك المبادرة, معلناً استعداد الشيوعيين للدخول في مفاوضات لوضع الصيغة النهائية للميثاق, وبالتالي إقامة الجبهة الوطنية) 1 ) وفي السابع عشر من تموز عام 1973, وبعد مفاوضات طويلة بين الجانبين تم توقيع البيان المشترك لإقامة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي ( 2 ) وقعه عن الحزب الشيوعي عزيز محمد السكرتير الأول للجنة المركزية, وعن حزب البعث أحمد حسن البكر أمين سر القيادة القطرية ورئيس الجمهورية .
حاولت الدكتورة نزيهة الدليمي استثمار تحسن العلاقات بين الحزبين الشيوعي والبعث بعد دخولهم في جبهة واحدة من أجل إعادة عمل رابطة المرأة العراقية, وقررت عقد المؤتمر الرابع لها وشكلت لجنة تحضيرية لهذا الغرض, ولكن الحكومة أصدرت قانون يقضي بالسجن المؤبد على كل من ينتسب لغير منظماتها ( 3 ) وفي محاولة من الحزب الشيوعي لإثبات حسن النية في التحالف الجبهوي, أصدر الأخير عام 1975, قراراً بتجميد كل منظماته الجماهيرية, ومنها رابطة المرأة العراقية ( 4 ) .
في غمرة تلك الظروف قرر الحزب الشيوعي العراقي عقد مؤتمرة الوطني الثالث, وهو أول مؤتمر علني للحزب, لاسيما بعد أن كانت منظماته قد امتدت بعيداً في المدن والقرى, وكانت الظروف تشير إلى إمكانية عقده وفق أسس منظمة ومبرمجة, عليه كلفت اللجنة المركزية في تموز1975, لجنة خاصة لإعداد وثائق المؤتمر, وبعد نقاشات امتدت إلى كافة منظمات الحزب استمرت لمدة عشرة أشهر ( 5 ) , وكان مجلس قيادة الثورة قد اصدر قراره ذي العدد (1044) في الرابع والعشرين من أيلول 1975, القاضي برفع الحجز عن أموال الدكتورة نزيهة الدليمي المنقولة وغير المنقولة ( 6 ) , وهذا ما أعطاها مساحة من التحرك السياسي بثقة أكبر من ذي قبل بالنوايا الحكومية, كما مكنها من المشاركة العلنية في المؤتمر الوطني الثالث للحزب وبدور فعال.
في المدة من الرابع وحتى السادس من ايار1976, عقد الحزب الشيوعي العراقي مؤتمره الوطني الثالث في مقره بمنطقة المسبح في بغداد, بحضور ثلاثمائة وثمانية عشر مندوباً يمثلون جميع منظمات الحزب .
كان للدكتورة نزيهة الدليمي دورٌ واضحٌ في التهيئة للمؤتمر, إذ تم اختيارها ضمن اللجنة التنظيمية الخاصة بالمؤتمر وضمت اللجنة إلى جانب الدكتورة نزيهة الدليمي كل من ماجد عبد الرضا, جاسم الحلوائي وعبد الوهاب طاهر (7 ) , ومهمتها الإشراف على لجنة مكلفة بالقيام بمهام التنظيم والإعداد, قامت قبل عشرين يوم من انعقاده باتخاذ الترتيبات اللازمة لعقده, إذ نصبت خيمة تغطي كامل حديقة المقر, وهيأت المنصة, والكراسي, ومكبرات الصوت, فضلاً عن تهيئة مطعم لإعداد الطعام للمندوبين المشاركين في المؤتمر ( 8 ) .
افتتح المؤتمر بكلمة ترحيبيه, ألقاها عضو المكتب السياسي زكي خير سعيد كونه اكبر الأعضاء سناً , بعدها تم انتخاب هيئة رئاسة المؤتمر من احد عشر عضواً هم كل من عزيز محمد عبد الله السكرتير الأول للحزب, وأعضاء المكتب السياسي كل من زكي خيري سعيد, عمر علي الشيخ, سليمان يوسف أسطيفان, مهدي عبد الكريم أبو سنه, ثابت حبيب العاني, فضلاً عن أعضاء اللجنة المركزية كل من عبد الرزاق الصافي, سليم إسماعيل, عدنان عباس ومرشح اللجنة المركزية حاجي سليمان( 9 ), من بينهم الدكتورة نزيهة الدليمي ( 10 ) ، بعدها ألقى السكرتير الأول للحزب عزيز محمد التقرير السياسي بإسم اللجنة المركزية .
بعدها جاء دور الدكتورة نزيهة الدليمي, إذ تلت على المؤتمرين تقرير لجنة الاعتماد جاء في التقرير ما ضمه المؤتمر من مندوبين وأعضاء اللجنة المركزية ولجان الاختصاص, وتضمن كذلك الإشارة إلى قوام المؤتمر, وهو ثلاثمائة وسبعة عشر حضر الأغلبية العظمى منهم, ما عدا البعض لأسباب عدها التقرير بالمشروعة وحدد النسب المئوية للمندوبين وجاءت 43% بين 31 – 40 سنة و9,7% نسبة النساء و50% من المندوبين انتسبوا للحزب الشيوعي في الخمسينات , الذي تضمن أسلوب الإعداد للمؤتمر وتركيبه, كما جرى بعد ذلك انتخاب لجان المؤتمر الثلاث (النظام الداخلي, البرنامج, التقرير السياسي), وكانت الدكتورة نزيهة الدليمي من ضمن من تم انتخابهم للجنة الأخيرة وكانت مهمتها صياغة التقرير في ضوء الملاحظات والاقتراحات التي تطرح في المؤتمر, ورفعها إلى هيئة رئاسته ( 11 ) .
في الجلسة الثالثة والأخيرة من جلسات المؤتمر, جرت عملية الانتخابات لاختيار أعضاء اللجنة المركزية ومرشحيها, وكانت عملية التصويت قد أسفرت عن فوز الدكتورة نزيهة الدليمي بعضوية اللجنة المركزية, فضلاً عن تسعة عشر عضواً كلهم من الذكور( 12 ).
يتضح مما تقدم بأن الحزب الشيوعي العراقي كان يضع الدكتورة نزيهة الدليمي موضع الثقة, وذلك من خلال تجديد انتخابها لعضوية اللجنة المركزية, تلك اللجنة التي " تمثل السلطة العليا القائدة للحزب والمسؤولة عن مجمل النشاطات " هم كل من بهاء الدين نوري, أحمد باني خيلاني, رحيم محسن عجينة, مهدي الحافظ, كاظم حبيب العطار, يوسف حنا القس, ماجد عبد الرضا النوري, اراخاجادور يونيك واسكنيان, جاسم محمد الحلوائي, عبد السلام الناصري, عبد الوهاب طاهر, عدنان عباس علوان, عامر عبد الله, سليم إسماعيل, مهدي عبد الكريم, نائب عبد الله, سليمان يوسف اسطيفان, توما صادق توماس, ومال الله الناصري. ( 13 ) فضلاً عن مهماتها القيادية المتمثلة بتقديم التقارير التي ترتئيها للمؤتمر الوطني, والسهر على تنفيذ قراراته, وانتخابها للسكرتير الأول للحزب, وتحديد عدد أعضاء المكتب السياسي, وتنظيم علاقة الحزب مع سائر الأحزاب الأخرى .
في تموز من عام 1976, اختار الحزب الشيوعي العراقي الدكتورة نزيهة الدليمي لتكون ممثلة له في مجلة (قضايا السلم والاشتراكية) صدر العدد الأول منها في أيلول 1958 بأثنتي وعشرين طبعة وطنية, وزعت في ثمانين بلداً بتسع عشرة لغة, وتم تأسيسها من قبل عشرين حزباً شيوعياً وعمالياً من مختلف دول العالم, وكان الحزب الشيوعي العراقي من أوائل الأحزاب الشيوعية العربية التي انضمت لرئاسة تحرير المجلة وذلك عام 1966, وكان ممثلهم زكي خيري. ( 14 ) , التي كان مقرها في براغ , وكان من ضروريات اختيار الشخص لتلك المهمة هو إجادة اللغة الروسية , التي تعلمتها أثناء دراستها في المدرسة الحزبية في موسكو بعد أن أرسلها الحزب الشيوعي للدراسة فيها مع وفد من كوادره في آب عام 1961, وهو ما كانت تتمتع به الدكتورة نزيهة الدليمي,كما يتطلب أجادة البحث والتحليل الموثق, والاهتمام بالعلاقات, وتقديم الاقتراحات, فضلاً عن أن الاضطلاع بتلك المهمة يحتاج إلى عناية فائقة ووقت متوفر للدراسة والبحث , واستمرت الدكتورة نزيهة الدليمي في ذلك العمل حتى عام 1978.
شهد عام 1978 تدهوراً كبيرً في العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي والحكومة, مما أدى بالأخيرة إلى شن حملة واسعة النطاق, لاعتقال ما أمكن من قيادات وكوادر الحزب وأعضائه في كافة أنحاء العراق ( 15 ) ، ففي الثامن والتاسع عشر من أيار من العام نفسه تم إعدام واحد وثلاثون من الكوادر الشيوعية, بتهمة نشاطهم الرامي إلى تنظيم انقلاب دون تقديم الأدلة على ذلك .
وجه المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي بعد ذلك بضرورة العودة إلى العمل السري, والمحافظة على ما تبقى من كوادره وقياداته, وكانت من ضمن تلك التوجيهات مغادرة قيادات الحزب إلى خارج العراق, وتم ذلك لأغلب أعضاء القيادة في كانون الأول 1978, وكانون الثاني 1979, وكان من بين المغادرين الدكتورة نزيهة الدليمي .
انتقل أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وكوادره المكشوفة للسلطة إلى عدد من عواصم دول أوربا الشرقية, كما أن قسماً آخر منهم تحصن في جبال كردستان, فضلاً عن لجوء عدد آخر إلى سوريا, وكانت الدكتورة نزيهة الدليمي من ضمنهم , ومن أجل إعادة تنظيمات الحزب تم تشكيل منظمات في تلك المناطق, كان نصيب نزيهة الدليمي هو العمل في منظمة سوريا, التي تُعد من أهم منظمات الحزب في الخارج آنذاك .
لم يقتصر نشاط الدكتورة نزيهة الدليمي في سوريا على العمل الحزبي, بل تعداه إلى إعادتها لنشاط رابطة المرأة العراقية, من خلال زج عضوات الرابطة للمشاركة في الندوات واللقاءات والمؤتمرات العربية والعالمية, كان أهمها المشاركة في اجتماع المكتب الدائم للإتحاد النسائي العربي في طرابلس عام 1981, حيث جرى قبول الرابطة عضواً في الاتحاد ( 16 ) ( 16 ) بعدها عملت على تشكيل لجنة تحضيرية لتهيئة الوثائق اللازمة لعقد المؤتمر الرابع للرابطة, وكانت هي على رأس تلك اللجنة(ضمت إلى جانبها كل من بثينة شريف, هناء أدور, وسن السوز, بخشان زنكنة).
انعقد المؤتمر في الرابع من أيار1981 في بيروت, وكان انعقاده حدثاً مهماً في تاريخ الرابطة والحركة النسوية, كونه تم بعد عشرين سنة من انعقاد المؤتمر الثالث ( 17 ) , وكان من أهم ما تم مناقشته هو رسم سياسة الرابطة والنظام الداخلي, فضلاً عن البرنامج وتوجهات العمل, إذ أكدت الرابطة في ذلك على تحملها لمسؤولية تعبئة الجماهير النسائية وتنظيم صفوفها, كما أعلنت عن موقفها الرافض للحرب التي كانت تدور رحاها بين العراق وإيران , وفي ختام أعمال المؤتمر جرت عملية انتخاب الهيئات القيادية للرابطة, إذ تم انتخاب الدكتورة نزيهة الدليمي في منصب رئيسة الرابطة .

المصادر
1 . صلاح الخرسان, صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث (الحركات الماركسية) 1920-1990, ط1, مؤسسة المعارف, بيروت, لبنان, 2001.ص 144.
2 . سمير عبد الكريم, أضواء على الحركة الشيوعية في العراق 1934- 1958, تقديم : صلاح محمد,ج1, دار المرصاد, بيروت, د. ت.ج5, ص151.
3 . خانم زهدي, صفحات من تاريخ الحركة النسائية, ص 51.
4 . صلاح الخرسان, المصدر السابق, ص 162.
5 . عزيز سباهي, عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي, ج2, ط1, منشورات الثقافة الجديدة, دمشق, 2003.ج3, ص 142 – 143.
6 . الجمهورية العراقية, وزارة المالية, مديرية الأمور المالية, كتاب رقم 139/ 29890, 16/تشرين الأول / 1975.
7 . سمير عبد الكريم ، المصدر السابق . ج5, ص203.
8 . سمير عبد الكريم, المصدر السابق, ج5, ص203.
9 . سمير عبد الكريم, المصدر السابق, ج5, ص 204- 205.
10 . عزيز سباهي, عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي, ج3, ط1, منشورات الثقافة الجديدة, دمشق, 2003. ص144.
11 . سمير عبد الكريم, .ج5, ص 207.المصدر نفسه, ص 209.
12 . صلاح الخرسان, صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث (الحركات الماركسية) 1920-1990, ط1, مؤسسة المعارف, بيروت, لبنان, 2001., ص 151 – 152.
13 . النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي الذي اقره المؤتمر الوطني الثالث أيار 1976, ص25.
14 . خمسة عشر عاماً من عمر مجلة قضايا السلم والاشتراكية, مجلة الثقافة الجديدة, العددان, 54و55 تشرين الثاني – كانون الأول 1973, ص155.
15 .حامد الحمداني, أحداث في ذاكرتي, ص 287.
16 .خانم زهدي, صفحات من تاريخ الحركة النسائية العراقية, دار الرواد المزدهرة للطباعة والنشر, بغداد, العراق, د.ت.ص 67.
17 . خانم زهدي, المصدر السابق, ص 68



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة