أسطورة العذرية، وهم فحص غشاء البكارة وترقيعها

شيرين عبدالله
shirin040@gmail.com

2021 / 12 / 11

في المجتمعات الأبوية لبلدان الشرق الأوسط وجميع البلدان الخاضعة للسيطرة الإسلامية، الشيء الذي تحرم منه المرأة هو استقلاليتها في أفكارها وسلوكياتها وجسدها.

ووفقا للتقاليد الاجتماعية الرجعية البالية، فان المعاشرة والجنس قبل الزواج مرفوضان اجتماعيا ودينيا في هذه المجتمعات بالنسبة للإناث وتعامل كجرائم. المراة ملك خاص للرجل، والشرف كحالة سايكولوجية للرجل واداة السيطرة على المراة واخضاعها شيئ مرتبط بعذرية المرأة وعفتها. ادنى شك او تساؤل عن عذرية المراة تؤدي الى عواقب وخيمة وتجعلها عرضة للذل اجتماعيا كونها جالبة العار على عائلتها، مما يؤدي الى تعنيفها و الانفصال والطلاق وحتى القتل بحجة "غسل العار" و "الدفاع عن الشرف".
هناك ظاهرة آخذة في التفشي بشكل كبير في السنوات الاخيرة وهي فحص غشاء البكارة بهدف اثبات عذرية المراة امام الزوج وعائلته وكذلك اهلها وذويها هي ايضا. حيث أن قيمة الفتاة العذراء أعلى في "سوق الزواج"، أو لإزالة الشكوك حولهن، وكشكل من أشكال "اختبار السلع قبل الشراء"، يتم انقياد الفتيات إما من خلال مؤسسات الشرطة والمحاكم، أو سرا في القطاع الخاص، وفي كلتا الحالتين، في ضل وضع اجتماعي معقد ومتشنج للغاية، إلى عيادة الطب الشرعي، من قبل أقاربهن أو أزواجهن بهدف الكشف والتحقيق في ماضيهن الجنسي.

لكن هذا الفحص، سواء أجري من خلال الشرطة والمحاكم، أو سرا في العيادات الخاصة، ما هو الا إستهانة بحتة بهؤلاء الفتيات وإذلالهن، ويسبب لهن حالة نفسية صعبة لاتطاق، بل حتى يعتبرها الكثيرون كنوعا من انواع التطاول الجسدي عليهن. رغم كل هذا، في الواقع، فان هذا الفحص لا يمكنه أن يثبت أي شيء وليس له أساس علمي، ففحص العذرية ليس سوى إستجابة خاطئة، وتعبير عن اسطورة وجهل اجتماعي تاريخي لمئات السنين واعادة انتاج لهذه الاسطورة.
وبالنسبة لبعض تلك الشابات الذين تعرضن للاعتداء الجنسي في الماضي، يذكرهم هذا الفحص بالحادثة (أو الحوادث) السابقة، ويتعرضن مجددا لتذكر الاعتداء مما يؤدي الى ضغوطات ومشاكل نفسية التي قد تصل بهن إلى حد الانتحار.

ترقيع غشاء البكارة :

علاوة على انتشار هذه الفحوصات المؤلمة وغير العلمية على نطاق واسع في المجتمع، نرى بانه، وبغية القضاء على الشكوك والادامة بالأسطورة، قد ظهرت وانتشرت "حلول" خادعة، وذلك بترقيع غشاء البكارة.**
وقد خلق وجود هذه "الضرورة الاجتماعية" والظروف والضغوطات الاجتماعية المعقدة المحيطة بها، أفضل فرصة للاستغلال وجشع السوق وجني الارباح وجعل منها سلعة مثالية في السوق الرأسمالية الليبرالية الجديدة، فمراجعة سريعة للإنترنت نرى بان كلفة الفحص تتراوح بين 100 - 400 دولار امريكي، فيما تكلف عملية الترقيع- كجراحة "تجميلية" (والتي لا تفيد صحة الفتاة) ما بين 1000 دولار إلى 3000 دولار.
كون البضاعة عديمة الفائدة، بل حتى مضرة بالفتاة، أو مخلة بالمعايير الانسانية، لا يشكل عائقا أمام السوق، ولاتهتم السلطات بمنعها لأنها لا تتعارض مع النظام السائد.
ليس من السهل جمع المعلومات والإحصاءات حول معدل هذه الفحوصات اوعمليات الترقيع، حيث يتم اجراؤها في غاية من السرية، وغالبا ما يتم اتلاف الملفات والوثائق لهذه الحالات وذلك لمحو الأدلة. بالاضافة، لا الفتيات وذويهن، ولا الأطباء أو العيادات التي تقدم هذه العلاجات مستعدون لتقديم معلومات مدونة. ما من شك، فإن احتمال تعرض الفتيات للأذى يتضاعف في ضل هذه الاجواء السرية والغامضة، فإذا واجهن أي مشاكل او مضاعفات نتيجة للجراحة، فإن التحقيقات والمتابعة الطبية والقانونية تكون صعبة للغاية بالنسبة لهن.
الجدير بالذكر أنه لا يتم تدريس او التدريب على فحص العذرية ولا عمليات ترقيع غشاء البكارة في المناهج الدراسية لكليات الطب أو الانظمة الصحية في العالم، ولا توجد أية معايير علمية معمولة بها عالميا، لذلك يتم إجراؤها بطرق متنوعة وأحيانا من قبل أشخاص لا يمتلكون الخبرة اوالتاهيل الطبي. وهذا ما يضيف عنصرا اخر لمضاعفة ضروف التعقيد والغموض والوضع الحساس الذي تمر به هذه الفتيات.


لماذا لا يثبت هذا الفحص اي شيء؟:
بعض الحقائق:

غشاء البكارة هي عبارة قطعة رقيقة من الجلد في مهبل الأنثى، تحتوي على فتحة صغيرة ينزل منها الدم الشهري. ليس لهذا الغشاء اي وضيفة بيولوجية وفسيولوجية، وان وجوده او غيابه لا ولن يؤثر على صحة ووضيفة وعمل اي من اعضاء جسد الأنثى. ولكن من الضروري ان ندرك بان عدم وجود الفتحة في الغشاء يؤدي الى انحباس الدم الشهري ومشاكل صحية للفتاة يجب معالجتها طبيا.
ان انواع غشاء البكارة مذكور في العديد من وسائل الإعلام وصفحات الانترنيت ولست بصدد إعادته هنا، ولكن ما هو مهم هو أنه في بعض الأحيان يكون الغشاء رقيق لدرجة بحيث يمكن ان يتمزق أثناء ممارسة الجنس للمرة الأولى أو نتيجة للقوة الخارجية فترى الفتاة قطرة او قطرات من الدم. في الوقت نفسه، على عكس الآلاف من الصور والرسوم التخطيطية ومقاطع فيديو اليوتيوب الموجودة على الإنترنت ، فالغشاء ليس مسطحا وسويا، بل متجعد وغيرمنتظم وقابل للتمدد، مما يعني أنه ليس بالضرورة ان يتمزق ويسيل منه الدم اثناء الممارسة الجنسية.
اصبحت قطرة الدم هذه رمزا ودليلا على عذرية المراة وبرائتها، وباتت المجتمعات البشرية تحكم وعلى مر العصور على النساء بسببها، فعندما تنعدم قطرة الدم هذه، تتولد الشكوك ضدها وتتهم الفتاة بانعدام العذرية وتوقد لها الجحيم كونها غير جديرة بالثقة و يبرر قتلها بحجة جلب العار على العائلة.
بالإضافة إلى الجنس، هناك العديد من العوامل الخارجية التي تسبب تمزق الغشاء. بما في ذلك السقوط أو القفز، وبعض أنواع الرياضة مثل ركوب الخيل والدراجات. الخ، فهؤلاء الفتيات لا يرون الدم حين يمارسون الجنس للمرة الأولى.
وينبغي لنا أيضا أن ندرك أن تكرار وجود الدم أثناء او بعد ممارسة الجنس قد يكون من أعراض أمراض الجهاز التناسلي ويستوجب الفحص والمعالجة بدون تاخير.

معاداة المراة بصورة رسمية:

في العراق وكردستان، تجري فحوصات العذرية من قبل لجنة مؤلفة من ثلاثة اطباء عدليين بعد احضار مكتوب من الشرطة. بمعنى انه في هذا المجتمع الذي تسود فيه الرجعية، فإن هذه الممارسة المناهضة للمرأة لها رسمية مؤسساتية، ينظر إلى المرأة كمجرمة، وتكرس هذه المؤسسات خدماتها لصالح التقاليد الأبوية والرجعية، في حين لا تحظى المرأة بأي دعم قانوني أو اجتماعي، ويصبح حياتها بالفعل عرضة لخطر حقيقي. وهذه الممارسات هي حلقة من سلسلة العنف ضد المرأة وينبغي حظرها بدلا من إضفاء الطابع الرسمي عليها.

واخيرا وبعد قرون من هذه الممارسات المجحفة بحق المراة بادرت مجموعة من منظمات الأمم المتحدة بالدعوة إلى حظر فحص العذرية وذلك في أكتوبر/تشرين الأول 2018: حيث جاء في البيان "العفة او العذرية ليست كلمة علمية أو طبية، فكرة العذرية شيء اجتماعي وثقافي وديني، وهي تعبير عن تمييز واخضاع الجنس الأنثوي في المجتمع".***
ولكن المشكلة هي أنه، على الرغم من أن حظر مثل هذه الاعتداءات على أجساد النساء يعتبر خطوة ضرورية، إلا أن الدعوة وحدها سوف لا تؤدي إلى إجراء التغيير والحد من العنف ضد المرأة. بل يجب التخلص من الاسس الاجتماعية التي ترتكز على وتشكل مصدرا للعنف واللامساواة بين الجنسين.
في الواقع، الطريقة الوحيدة لمعرفة ماضي الحياة الجنسية لاي شخص هي أن تسالهم مباشرة، ولكن لا يمكن توقع الجواب الصحيح الا عندما تتمتع المرأة بالاستقلال الكامل والحرية في قراراتها واختياراتها، وعندما يكون استقلاليتها موضع تقبل وتقدير تام من المجتمع.
عندما تتحقق هذه الحرية، فإن رفاهية المجتمع بأسره سوف يتقدم، حينذاك، يصبح السؤال نفسه موضع استفسار!

شيرين عبدالله
14.11.2021
**************************************

* ما هو فحص العذرية : يضع الفاحص إصبعين في مهبل الفتاة أو يتفحصها بالعين ويقرر حسب رأيه سواء كان للفتاة ماضيا جنسيا ام لا.
** هذا "العلاج" يتبع بطرق متعددة؛ فاحيانا، يتم ادخال غرزتين او ثلاثة في مهبل الفتاة اقبل أيام قليلة من الزواج، أو يستخدم قطعة من الجلد من مكان مجاور ويتم خياطته بالغرز الجراحية في المهبل، بحيث يتخدش المكان ويدمي أثناء الزواج. وفي بعض البلدان، تستخدم كبسولات صغيرة ذات جدران رقيقة فيها سائل احمر يشبه الدم توضع داخل جسم الفتاة.
***https://www.who.int/news/item/17-10-2018-united-nations-agencies-call-for-ban-on-virginity-testing



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة