رفقة الشارني تحدّثكم…

مديحة جمال

2021 / 12 / 12

قد تتساءلون لماذا هذا النّصّ يأتي متأخّرا بعد أن نزل الخبر في أكثر من موقع وتفاعلت معه النساء في كل البلاد والمنظمات والجمعيّات؟
لأنّ هذا النّص ليس من أجل الإخبار ولا رصد “الجامات” والتّعليقات، فهذا النّصّ كان صريعا بجانب جثّتها الملطّخة بالدّماء بعد أن صارع معها طلقات النيران ولفظ الأنفاس الأخيرة ثمّ ترجّل عائدا من دموع كلّ أحبّتها الذين حفر في حزنهم عميقا أوّل أيّام العيد بدونها.
أعرف رفقة الشّارني جيّدا.. تقاطعت حياتنا في مواقف كثيرة وتقاطعت مشاعرنا أيضا وانهمرت دموعنا في نفس اللّحظة في أماكن مختلفة.
حياتها التي تستسمحني لأرويها على لسانها:
“مو حزن.. لكن حزين
مثل صندوق العرس ينْباع فردة عشك من تمضي السنين”
( مظفّر النّوّاب )

قصّة تعارفنا :
تزوّجته بعد قصّة حبّ طويلة، عارض زواجنا بعض أفراد عائلتي لكنني قاومت رفضهم وانتصرت له بعد أن أصبح كلّ عائلتي. حين كنّا نتهاتف كان قلبي يخفق بشدّة ولكأنّه كان يريد أن يهرب منّي إليه، كان صوته يتسرّب إلى روحي ويسحبها اليه في رفق وهدوء وأنا مستسلمة لذلك الشعور الذي يغمرني تجاهه ويجعلني على يقين بأنني أريده وأريد أن أعيش معه وأن نكبر معا لننتظر العيد بشعرنا الأبيض وتجاعيد الأيّام الحلوة بينما ننتظر أحفادنا حتّى نمنحهم “مهبى العيد” والأحضان والقبلات.
وحين كنّا نلتقي في لقاءاتنا الخاطفة كنت أنظر إلى عينيه بينما كان يمسك يدي هامسا: “نحبّك ونموت عليك”
عيناه وهذه الكلمات الثلاث كانت ساحرة بما يكفي لأتحدّى عائلتي وأطفئ أجهزة العقل وقوانين المنطق مرتدية فستانا أبيضا ساحرا
ماسكة يدي بيديه مغادرة عائلتي إليه ومنزل عائلتي إلى بيتنا.
قصّة زواجنا:
هل قلت “إلى بيتنا”: الأيّام الأولى كانت عسليّة ورديّة حالمة وقد كانت زادًا شحيحا لتحمّل الحياة في بيته. حين ضربني في المرّة الأولى لم أخبر أحدا تقيّة الشّماتة لم يعتذر ولكن بطريقة ما عدت إلى الابتسام وتناسيت الحادثة حتى يستمرّ هذا الزّواج.
حين ضربني في المرّة الثانية بكيت على “حِجر” أمّي طلبت منها أن تساعدني وأن تنقذني، بكت معي ثمّ مسحت دمعها قائلة:
“عيّشْ بنتي كلّو يتعدّى، وراجلك على ما تربّيه، توّة كي تجيبلو صغير يتبدّل اِلاّ ما يبْدا يبوس التراب الّي تعفس عليه…”
صدّقت أمّي بقلب نازف وعدت إلى منزله …
أنجبت إبني.. خلال حملي تواصل تعنيفه وبعد الإنجاب تواصل تعنيفه ولم يحدث شيئا ممّا قالته امّي. حملت إبني بين ذراعي وذهبت إلى عائلتي مزرقّة دامية: أخبرتهم أنني أريد الطّلاق وأنني صرت أخافه وأكرهه : تدخّل الكلّ مستنكرا رافضا : “هو يجي منّو الطلاق؟ ما فمّاش في سبرنا، وبعد هذا شكون اختارو وعرّفنا بيه؟ موش إنت؟ تحبّي تخلينا فضيحة بين الناس استهدى بالله وأرجع لدارك وربي ولْدك.. هاكًة الّي مازال تحب تيتّم ولدك وتبعْدو على بوه….”
عدت إليه وتواصل العنف بأشكاله: كنت في كلّ مرة أطلب النجدة كانوا يجبرونني على التّحمّل والصّبر والأمل في غدٍ يصبح فيه “وَحْشِي ” زوجي. ترويض هذا الوحش مهمّتي، وتربيته وتعليمه كيف يتعامل معي كزوجته مهمّتي؛ فالزّوجة وحدها، كما يقولون متغامزين، تمتلك مفاتيح الرّجل. ولكلّ رجل مفتاحه. نصحتني أمّي بأن أنجب ولدا ثانيا كي يكون سندا لأخيه وربّما يلين قلب والده بولادته. لم يكن لديّ حلّ آخر سوى الإنجاب: لا عمل، لا منزل، لا عائلة أعود إليها …
كالعادة عنّفني وأنا حامل بإبنه. غادرت منزله غاضبة إلى أوّل مركز أمن.. قدّمت شكاية في العنف الزوجي مرفقة إيّاها بشهادة طبّية تؤكّد كل ما تعرّضت له من أذيّة. حين طلبوا مني إسم الزوج ووظيفته “بوليس” بدأت رحلة الضغط من أجل التنازل على القضية. ضغط الكل عليّ دون استثناء : “عيب تشكي براجلك.. وماهو كان بو صغارك.. والمسامح كريم …”
تنازلت عن حقي في التتبّع وأطلق سراحه ذهبت إلى منزل عائلتي فقرّروا أن أبقى لفترة عندهم حتى تهدأ الأوضاع بيننا.
لم يتّصل ولم أتّصل به. بعد يومين كان عيد ميلاد إبني ذهبت إلى منزله حتى أُحضِر له ملابسه وبعض ملابسي.. وجدني في المنزل،
استفرد بي في المنزل الوحش الذي كنت أعيش معه تضاعف حجمه.. رأيت عيناه. كانتا عيْنا قاتلٍ. حاولت الهروب. منعني. صرخت طالبة النجدة. لم يأت أحد لمساعدتي توسّلت إليه توسّلت إليه توسّلت إليه.
خمس رصاصات اخترقت جسدي.. خمس رصاصات من مسدّس رصاصاته كانت من المفروض أن تُوجّه إلى إرهابي يهدّد أمن البلاد.. خمس رصاصات سلبتني الحق في الحياة أمام عيني ولدي. كان يصرخ ويبكي. ذاك الرّعب وذاك الصّراخ كانا آخر ما رأيته وما سمعته قبل أن أغرق في دمائي.
say her name إسمها رفقة الشّارني:
دماء رفقة المسفوكة تناثرت على كلّ أجساد النّساء التونسيات ودمها المتفرّق بين القبائل يطالب برفض ضحيّة قادمة.
إن هذه الجريمة الشنعاء اللاإنسانية أجبرتنا نحن النّساء على الوقوف أمام وضعنا في ظلّ منظومة حكم راعية للعنف: عنف في مجلس النّوّاب، عنف في الدراما والبرامج التلفزية والاذاعية ، عنف الكتروني، عنف الشارع، عنف القوانين الديكور التي تلمّع صورة وطنٍ اجتاحه وباءٌ أشرس من الكورونا: وباء العنف ضدّ النّساء
say her name إسمها رفقة الشّارني:
ردّدوا إسمها كل يوم.. إجعلوه عصيّا على كل محاولات محوه أو النسيان مثلما حدث مع كل الضّحايا السابقات.. ردّدوه محمّلا بأسمائهنّ: مريم العبيدي، فرح “البحر الأزرق”، مها القضقاضي، شهيدات الكميونة… كل النساء اللاتي وردت أسماؤهن في خبر مقتضب “…راحت ضحيتها..” ثمّ أصبحن في طيّ النّسيان، بينما يتسلّل قاتلٌ آخر صوب الضحية القادمة برعاية منظومة حكم لم تتّخذ الإجراءات الفعلية واللازمة للحدّ من العنف ضدّ النساء.
ليكن دمي ثمنا لنهاية كلّ العنف ضدّكن، حينها فقط سأنام بسلام
say my name إسمي رفقة الشّارني:
لا تكوني الضحية القادمة … كوني الثورة القادمة …
وليكن يوم 9 ماي يوما وطنيا لمناهضة العنف ضدّ النساء



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة