النساءُ الممنوعاتُ من الكلام

عايدة الجوهري
ajawhary@hotmail.com

2021 / 12 / 17

يستفزّني أيّما استفزاز، أن أشهدَ على وقائع عمليات التواصل بين ذكور العائلة الذكوريين وإناثها، حيث تتدرّب المرأة، منذ حداثة سنّها، على الصمت والكتمان وخسران اللغة، مقابل التلقي والاستقبال، دون المبادرة إلى أخذ الكلام والتعبير عن ذاتها، ومكنوناتها، ما يؤدي إلى اجتيافها دونيّتها خلسةً عن وعيها، وإلى الأبد.

لا تتحقّق كينونة الإنسان الاجتماعية إلا بالتواصل، الذي يقوم على المبادرة إلى الكلام، في علاقة تبادلية أساسها البثّ والتلقي، ولكنّ عملية التواصل تخضع لمتغيرات عدة، أبرزها الأهداف، ومنها بثّ المعلومات والبيانات والأفكار والمفاهيم، والقناعات، والمشاعر والانفعالات، وغيرها( )، والسياقات التي تتمركز حول تفاصيل المحيط الفيزيائي والاجتماعي والنفسي والزمني الذي تدور فيه عملية التواصل، والأدوات، لفظية، وغير لفظية، وتعتمد لغة الجسد، والإيماءات، وتعبيرات الوجه، والنبرة والصوت، أو مرئية، وتعتمد الصور، والرسومات والمخططات، أو مكتوبة، ووسيلتها الوحيدة اللغة ومواردها.

يُضاف إلى هذه المتغيرات متغيّر أساسي، وهو هوية المتكلمين والمتحاورين، كل منهما لدى الآخر، ورتبته، ودوره، وصورته، فما الذي يحدث إذا كان المتخاطبان من جنسين مختلفين وصورتين مختلفتين، واحدهما ينظر إلى نفسه ويُنظر إليه، بصفته جنسًا أعلى، ووصيًّا متفوقًا، وإذا قُدّر لهما، أن يتواصلا، تواصلاً دائمًا ومباشرًا بحكم صلة القربى التي تجمعهما، وأن يكون المتكلّم أبًا، أو أخًا، أو زوجًا، وإذا أوكل إلى هذا الوصي تلقائيًّا وتاريخيًّا، وبتفويض ضمني، أمر ضبط الجنس الأدنى، وتدجينه، وإجباره على الالتزام بأوامره، وتعليماته، ورغباته وأهوائه، بحيث يصبح طوعَ بنانه، ويتطابق مع الأدوار والخصال التي اختطّها له المجتمع؟

لا يحتاج هذا الأمر الناهي إلى بذلِ جهدٍ جبّار لأداء مهمته، فهو يختزن كمًّا هائلاً من الصور، والمقولات والأفكار النمطية الجاهزة، تجعله متمكنًا من دوره ومهمته.

إنّ القاعدة الأساسية في هذا النمط من التواصل، هو الحذر من الكلام الذي تتفوه به المرأة في الخاص، وتقنينه، وضبطه، كي ينسجم مع المرسوم لها، والحيلولة دون كلامها الحرّ النابع من ذاتها، والاكتفاء بمطالبتها بالموافقة، والتأييد، والإذعان، لما يأمر به الصوت الذكوري في العائلة، الذي يقوم بالإيعاز، والأمر، والفرض، والاتهام، والتأنيب، والتذنيب...

لنتخيّلْ أبًا، أو زوجًا، أو أخًا، متسلّطًا، يتواصل مع ابنته، أو زوجته، أو أخته، آمرًا، أو مؤنّبًا، أو زاجرًا، سنكون أمام شخصين الأول الذي يتكلم بنبرة عاليه واثقة، متغطرسة، تهديدية، بوجه متجهّم، ويد مرفوعة، والثاني يستمع إليه، صاغرًا، مذعنًا، خفيضَ العينين، مطأطئ الرأس، بالكاد يتفوه بجمل قليلة، تُنذر إمّا بالدفاع الذليل عن النفس، أو الموافقة، لا يلبث الصوت الذكوري أن يقطعَها ويمنعَ استكمالها.

لنتخيّلْ أفعالَ هذا الذكر، وسلوكاته على مدار الساعة، فهو لن يكفَّ عن التجهّم والعبوس، ورفع الأصبع والصوت، والأمر، والزجر، لن نراه ودودًا، مُحبًّا، متفهمًا، مستمعًا، منصتًا بكل حواسه، متعاطفًا، مشفقًا...

إنّه التواصل الأحادي الذي يرمز إلى اللاتكافؤ، والتراتبية، والتحكّم، والوصاية.

لا يهوى الزوج أو الأب أو الأخ المتسلّط إطلاقَ حرية المرأة في الكلام، ويحاول إسكاتها كلّما تفوهت بجملة، وتحولت إلى متكلمة، وهو لا يهوى سماعَ صوتها، ولا يطيق أن تنظر في عينيه، ويستلذّ النظر إلى عينيها المنكسرتين ورأسها المطأطئ، فمن المزايا الحميدة للمرأة خفض الصوت، والإمساك عن الكلام، كي لا تكون «فحلة»، «سليطة اللسان»، ولطالما تمّ الربط بين العيّ والأنوثة، في مقابل الفحولة والبلاغة.

أولًا: الحق الإنساني في الكلام وعلاقات القوة
إنّ الحق في التواصل السويّ المكتمل الذي يستدعي الحق في الكلام الحر، الذي لا يضبطه منطقيًّا سوى منسوب الجدوى والصوابية، هو حق إنساني بديهي أولي، مثله مثل الحق في الحياة، والغذاء، واللباس، والإيواء، والحماية، والتعليم، إنّه الحق في التعبير، في العام والخاص، الذي يُحقّق إنسانية الإنسان.

إنّ الحق في التعبير والمبادرة إلى الكلام في إطار التواصل بين شخصين وأكثر، القائم على التناوب في البث والتلقي دون تعسُّف، يعادل الحق في استعمال اللغة، والدخول إليها ليس كدوالٍ صوتية فحسب، بل كمعانٍ تتيح له السيطرة على الأشياء والوقائع، بصفته إنسانًا.

لقد ذهب كلود ليفي ستراوش إلى الاستنتاج أنّ ما يُميّز الإنسان ليس كونه حيوانًا صانعًا، وإنّما كونه حيوانًا يستمعل اللغة Homo-loquax، وأميز ما يُميّز اللغة، هو قابليتها لأن تنتقل من لسان إلى لسان، قابليتها للترجمة، فأخصّ خصائص الإنسان هو الثقافة، وأكثر العناصر ثقافة هي اللغة، وأميز عناصرها هو الرمز، وحتى وإن كان الحيوان يتواصل فإنّ تواصله يتمّ عبر آليات حركية، أو عبر التصويت، أو إفراز بعض الروائح.

بأية حال تبدو نشأة اللغة لصيقة بوجود الإنسان على سطح الارض، وإذا كان علماء النفس الاجتماعيون لا يعرفون شيئًا عن أصول لغة الإنسان، إلا أنّ معظم النظريات تقول بأنّ رغبة الإنسان في الاتصال البشري هي التي أدت إلى تقليد الإنسان الأصوات الطبيعية، وإنّ التعبير الصوتي كان أداة التعبير الأولى بعد أن كانت تستخدم لغة الإشارات.

كما أنّ الطبيعة البشرية، تُزوّد كل إنسان قواعد ومبادئ تتيح له استعمال اللغة، وإنتاج عدد لا محدود من الجمل، عن طريق عدد محدود من القواعد، وهذه الاستعدادات تُزوّد الكائن البشري مجموعةَ مقومات ليُبدعَ بحُرية، وبشكل لا محدود. إنّ الطبيعة ذاتها تمنح الكائن حق الكلام، فهو خاصية بشرية طبيعية لا يستطيع لا الأفراد، ولا المجتمعات، ولا الأنظمة التسلطية، محوَها والقضاء عليها.

وفق هذا المنطق العلمي تبدو اللغة الطريق الجبري إلى أنسنة الإنسان، وانتقاله من طور إلى طور، من طور البدائية الى طور الأنسنة والتحضّر، من طور الطفولية المتلعثمة، إلى طور النضج، وفي حال تجنيسها، وحصر استعمالاتها الحرة المتعددة بجنس دون آخر، يصبح إنهاء حالة «الحصرية» بدايةَ نهاية حالة العبودية.

نحن نشتغل عمومًا على خطاب الهيمنة الذكورية، الأيديولوجي، وعلى المؤسسات والقوانين والتدابير، والأفعال والقرارات التي تُجسّده، وتُديمه، دون الاستراتيجيات العلائقية الحميمة، في الأسرة، وفي العلاقات الثنائية، التي تترجم خطاب الهيمنة والتبخيس والعزل بالملموس، وتنوب، بفضل القيّمين على هذه الاستراتيجية، عن المجتمع بأسره في إعداد المرأة النموذجية، المرغوب فيها أسريًّا واجتماعيًّا، والتي تتكيف مع جندرها.

وتُعدّ الحملات المدنية الجمعياتية، المناهضة للعنف ضد المرأة، والداعية إلى سَنّ قوانين ملزمة لحمايتها، أحد الأبواب الشخصية التي قرّرت الجمعيات النسوية اقتحامها، في محاولة لوضع حدّ للتعسّف الأسري، وللظلم اللاحق بالمرأة، ولكنّ هذه الاستراتيجيات التي تفيد في فضح التجاوزات الصارخة، دون التحكّم بسائر الممارسات العنفية الرمزية، التي من شأنها هدر حقوق المرأة الأولية، من مثل حقّها في التعبير والكلام، والتواصل، والتفاعل، والتي تحتاج، برأينا، إلى استراتيجيات من نوع آخر.

إنّ عدم قابلية هذه الممارسات العنفية للرصد والتوثيق، والقوننة، لا يُقلّل من أهميتها وفداحتها، وعمق تأثيرها على تطور شخصية المرأة، وتفتُّحها، وإدراكها لذاتها، ووعيها بها.

إنّها عمومًا مجموعةٌ من الممارسات التي تقوم ملاحظتها على المشاهدات والمعايشات العابرة، أو على مشاهد سينمائية أو تلفزيونية هادفة، أو على شذرات قصصية شاء كاتب أو كاتبة تضمينها متواليات حبكته.


إنّ عملية أخذ الكلام مرهونة بعلاقات القوة، فالقوي هو الذي يُحدّد من يتكلم، وماذا يقول، وكيف يقول ما يقول، ولمن يقول ما يقول، ولماذا يقول ما يقول، فالأقوياء هم من يملكون قنوات الكلام ومنصاته، وعلى كل المستويات، والقوي هو الذي يظفر عمومًا بحق الكلام، كيفما شاء ومتى شاء، يُوجّهه لمن يشاء، فالزوج القوي والمتسلط هو الذي يُملي على الزوجة أفعالها، وأقوالها، وما عليها سوى الطاعة، والتنفيذ، والأب المتسلط هو الذي يملك منفردًا حقَّ أخذ الكلام وتوزيعه، وما على الأولاد سوى الانصياع، خوفًا، ورهبةً، وللبنات الحصة الأدنى من الكلام وفرص أخذه، ورب العمل هو الذي يُصدر الأوامر والتعليمات، وما على العمال والموظفين سوى الانصياع والتنفيذ، والأمر ذاته ينطبق على رجال السياسة المستبدين الذين يحتكرون القرار والكلام معًا، ويتحكمون بحيوات ملايين بل عشرات أو مئات الملايين من الأفراد، دونما الإنصات إلى أوجاعهم وهواجسهم وأفكارهم، ويكون مصير من يطالبهم بالعدل والعدالة، السجون والأقبية. وبالمثل يقوم دور رجل الدين على الوعظ والإرشاد والإفتاء، وإن عنّ لأحدهم أخذ الكلام، والسؤال وإعادة النظر والتشكيك، اتُّهم بالهرطقة والزندقة، وازدراء الأديان.

إنّها التراتبية المُحكمة القائمة على تبخيس الآخرين، والتحكّم بهم، وإنكار حقّهم في التفكير، والتعقُّل، والقرار والحرية، والتعبير والكلام.

ويتّخذ حقّ المرأة في أخذ الكلام أبعادًا إضافية مخصوصة، فنحن أمام كائن قيّض له التاريخ الاجتماعي والسياسي السحيق، أن يعيش مهمّشًا، منفيًّا من دورة الحياة النابضة، وأن يُحكَم عليه بالدونية والنقصان والخطيئة، والفضيحة الكامنة.

ولأنّ هذا الكائن شائن وخطير، ويدعو للارتياب، قُدّر له الصمت والإذعان والاكتفاء بما يُؤمر به، أو يُسأل عنه، أو يحتاج إليه بإلحاح، وغالبًا من أجل الآخرين.

جرى إسكات النساء لألفيّاتٍ عدّة، وفي الآن عينه لغتهنّ العابقة بانفعالاتهنّ، ورغباتهنّ، ونزعاتهنّ، وميولهنّ واختياراتهنّ، وخيالاتهنّ، وتوقعاتهنّ، وأفكارهنّ، وإبداعاتهنّ، وتأملاتهنّ.

عندما تأخذ المرأة الكلام الحرّ في الخاص أو العام، فهي تنصت إلى نفسها في الآن عينه، تسمع نفسها، تُفكّر وتصوغ، وتنطق، تسمع حواسها، تُرسل أصواتًا رنانة، تحمل ـفكارها ومشاعرها وأحاسيسها، ورغباتها، وطموحاتها، وأحلامها، كأمر واقع، أو ممكن، فتتفتح، وتنطلق.

حين تأخذ المرأة الكلام فهي تُعبّر عن ذاتها، عن ذاتٍ تعيها بذاتها، ولا يعيها الآخرون، لا عن تلك التي تذوب في الآخرين وتتكلم بلسانهم، لاغيةً فرادتها وأناها، مكرّرةً كلامًا صاغه الآخرون.

عندما تأخذ النساء الكلام وبمعرفة، تتحول شيئًا فشيئًا إلى مواطن، إلى كائن اجتماعي حقوقي، افتراضي، تطالب، تشارك، تعلن نهايةَ تاريخ من الصمت، وتتحول إلى حدث، وحركة، وفعل، ووجود، وحياة.

كأية عملية قمع في تاريخ المجتمعات، قامت عملية قمع النساء على تعطيل طاقتهنّ على التعبير والكلام، وبالتالي على التفكير، وصياغة الأفكار، والمشاعر، والمواقف.

ثانيًا: دوافع الحجر على الكلام الأنثوي
بالحدس أدرك الرجل الذكوري المستبد، مثله مثل المستبدين كافة، علاقةَ الفكر الجدلية باللغة، بنموها وتوسعها، وإنّ عملية أخذ الكلام، إنّما هي تعبيرٌ عن ذات أو ذوات تسعى إلى التواصل والتمايز والتأثير على الحدث، والفعل على الفعل، ويعتقد أرسطو أنّ الإنسان ابتدع اللغة للتعبير عن توقه إلى العدالة. فإذا سلّمنا بفرضية أرسطو فإنّ المتسلّط في أي قطاع كان، يدرك أنّ عملية أخذ الكلام من قبل المحكوم تُعرّض سلطتَه للاهتزاز، وليس صدفةً أن تُعنى الأنظمة المستبدة بالإمساك بوسائل الإعلام الجماهيري، تلفزيون، إذاعة، صحافة، ومؤخرًا وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تنثر العسسة والجواسيس هنا وهناك، وأن تحاكم من ينطق على غير هواها.

ويتزامن الحجر على كلام المرأة في الخاص والعام، مع الحجر على رغباتها، بحيث يبدوان من جذر واحد، وسليلَي استراتيجية ردعية واحدة، إذ يفترض الحجر على كلام المرأة بالخاص أنّ المرأة التي تُعبّر عن ذاتها بطلاقة، هي نفسها التي تتمرّد على الأوامر والضوابط والإكراهات، بحيث يتحول صوتها الطلق إلى صوت رغباتها المدفونة، والراقدة في قاع ذاتها.

ويتبدى هذا الإقصاء الاضطهادي في صور مرهفة، متعذّرة على الرصد، فالرجل الذي لم تعتد أذناه على صوت المرأة الجازم والجدي والمقرّر، يأنف الاسترسال في سماع امرأة تُفكّر، وتُحلّل، وتستنبط وتقترح، وتناقش، وتعترض، وترفض.

ليس الحجر على كلام المرأة بريئًا، فالحاجر على كلام المرأة يدرك بالحدس، وفي لاوعيه، سلطة الكلام، ونعني بالسلطة، ها هنا، القدرة على السيطرة على الآخر، قدرة الأفراد أو المجموعات على فرض المخططات والتقييمات والخيارات على الآخرين، ويُترجم الحاجر على كلام المرأة إدراكه هذا، باعتماد أفانين خاصة، في إدراة كلامها وكلامه، في جدلية التواصل، وفي السيطرة على منطوقها، وجملها، ومفرداتها، وانفعالاتها، فهو حريص على ألا تتحول محدّثته الى ذات متكلمة، بعدما كانت مجرد مستقبلٍ ومتلقٍّ، فهو يدرك بحدسه ووسائله أنّ أدنى انقلاب في الأدوار التخاطبية يعني انقلابًا في موازين القوى، واستواءها.

هو يدرك بحدسه أنّ الاستماع إلى كلام المرأة، وأخذ كلامها على محمل الجدّ، قد يودي به إلى تعديل لغته وأفكاره، حسب الأفكار تتعدل بتعديل اللغة، فلا يعود هو ذاته، ويتحول إلى شيء آخر.

أخبرتني إحدى النساء العاملات في إحدى المؤسسات، أنّ زملاءها في العمل لا ينظرون إلى وجهها حين تتدخل، بل إلى الجدران وسقف القاعة، أو في الفراغ، هذا إذا اتخذوا قرار الاستماع إليها، ولم يقاطعوها قبل أن تُنهي كلامها، كي يستأنفوا ما شرعوا في طرحه، وهم لا يبنون، فوق ذلك، نقاشاتهم التالية على ما تفوهت به، سلبًا أم إيجابًا، فهم يعاودون الكلام من حيث انتهوا، فيفرغون ما اختزنوا في جعبتهم، غير آبهين بكلامها، وأسرّت لي أنّها تحيا الاجتماعات المهنية كفضاء للصراع وإثبات الذات والحضور، ولانتزاع الحق في الكلام، بين الذكور والإناث، وبين الذكور أنفسهم... إنّه المجتمع التراتبي البطريركي.

ثالثًا: النساء المحرومات من الكلام
جل ما تستطيعه المرأة المقموعة، المنفيّة إلى الداخل، ترداد ما لُقّنت، وسمعت، وما نُمي إليها، او استعمال المفردات، والصيغ الشحيحة، التي قُيّض لها، حفظها، وتداولها، وقول كلام غير أصيل، لا يكشف حقيقةَ ذاتها وفرادتها.

وإذا قُدّر لها امتلاك لغتها الخاصة، خلسةً عن كل الممنوعات، فهي لن تتمكن من تحويلها إلى كلام، فإذا اعتمدنا القواعد الأساسية لعلم الألسنية التي تُميّز بين اللغة والكلام، فلغة النساء المقموعات غير قابلة للتحول إلى كلام، ومعنى، وفعل.

إنّ لغة النساء المنفيات إلى الداخل، هي لغة مقنّنة محجّمة، كمًّا ونوعًا، ووقتًا، هي لغة الواجب، الخارجي، والداخلي، لغة الواجبات المنزلية، لغة التنظيف والغسيل والطبخ والتمريض والرعاية، ولغة التجميل والرشاقة والغواية، التي تجعل منهنّ إناثًا مشتهيات، ولغة الواجبات الاجتماعية المحكومة بالتقاليد الذكورية، ولغة العيب، المثقلة بكمّ من الممنوعات والمحظورات والأوامر.

ولا غرو، فالكلام الموجَّه إليهنّ منذ يفاعتهنّ كناية عن مجموعة من الأوامر: اجلسي، نامي، كلي، اشربي، قفي، تمدّدي، ادخلي، اخرجي، لا تبكي، لا تصرخي، اصمتي، ثم اكنسي، اغسلي، رتّبي، اطبخي، انتبهي إلى أخيك، وهي لن تسمع ولا مرة جملة «لا تخافي»، «لا تكترثي»، «تابعي»، ونادرًا ما يقال لها «ادرسي»، «اكتبي»، «فكّري في مستقبلك العلمي والمهني»، و«يجب أن تعملي كي تتحرّري».

لدى هاته النساء، طفلات أو ناضجات، صوتٌ داخلي يُولّد لديهنّ شعورًا غامضًا بالظلم واللاعدالة يضعهنّ في حالة من الارتباك، والحيرة والأسئلة المستعصية، فيبحثنَ عبثًا عن قنوات للتعبير، وإلا تحوّلنَ إلى مكبوتات يتشفّينَ من الآخرين والأخريات، من منزوعي السلطة وقليلي الحيلة، من الأولاد والخدم، أو يكتئبنَ، ويهذينَ، ويتذمرنَ، ويتململنَ، ويتأسّفنَ، ويلمنَ، ويعاتبنَ، ويشتكينَ، أمام من يتبرّع بالاستماع إليهنّ.

وهنّ قد يجدنَ في النساء المقموعات أمثالهنّ خيرَ مستمعات، فيفرغنَ أمامهنّ شحنات غضبهنّ، وأوجاعهنّ، وهواجسهنّ، وخبراتهنّ.

وقد تخرج طاقاتهنّ المكبوتة، على صورة انفعالات متفلّتة، يضحكنَ، يبكينَ، عندما لا يثنيهنّ الوعظ الديني عن الضحك والبكاء، الذي يفتي أنّ ضحكهنّ وبكاءهن مثيران للشهوات، وإنّنا نفترض أنّ هذا المنع يُضمر رغبةَ الوعاظ أو القوامين عليها، بعدم تشجيعهنّ على الإفراج عن طاقاتهنّ ومكنوناتهنّ، ومكبوتاتهنّ، فالضحك يُخفي الرغبة في الفرح والاستمتاع، أما البكاء فهو يثير، لمن يشهد عليه، شعورًا غامضًا بالذنب.

وقد تتدخل اليدان لإخراج النساء المقموعات من محنتهنّ، فتلجأنَ إلى التطريز والحياكة، يُثبتنَ في خلالهما حضورهنّ على سطح الأرض، فتعمر خزائنهنّ بالمطرزات الفنية الدقيقة، والأشغال اليدوية، يُطرّزنَ بها الملل والفراغ والصمت، لئلا يُصبنَ بالهستيريا والعصاب.

رابعًا: من العبودية الى الحرية
لا تمتلك المرأة ذاتها بدون امتلاكها حرية التفكير والشعور، فالشعور هو أيضًا محظور في أيديولوجية العبودية، فمن يتعرّض للصدّ الممنهج، تخبو لديه ملكة التفكير والشعور، ولا يبقى للمحجور على كلامه، أنثى أم ذكر، سوى الحياة البيولوجية، والعزلة.

إنّ مصادرة حق المرأة في التعبير والكلام، وعدم الإنصات لها، ملازمان لشرط عبوديتها، ولعدم الاعتراف بها كإنسان ناطق، أي عاقل، وراغب، وتواصلي، وندّ في الإنسانية، والكرامة.


هي إعلان حرب باطنية صامتة، تتأسّس على إطلاق عنان إرادة القوي والمسيطر وصمت وسكوت الطرف الأضعف وانكفائه على ذاته المسلوبة.

إنّ الإقرار بحق الآخر في الكلام أي بالتعبير الحر، هو قانون حصانة الآخر، ومنع قتله، أو الاعتداء عليه، والتنكر لحقوقه الإنسانية، «فقانون الكلام الناظم للعلاقات بين البشر سابق على القوانين الوضعية، ولاحق إجباري على الوجود البشري، وعلى اشتراطات أنسنته».( )

إنّ جوهر الديمقراطية عاموديًّا، أي بين الحكام والمحكومين، وأفقيًّا بين المحكومين أنفسهم، هو الحوار بين ذوات مستقلة قائمة بذاتها. إنّ الاستبداد هو انقطاع الحوار، فيما الكلام المتبادل هو الذي يجعل المجتمع الإنساني ممكنًا، إذ يحكم علاقة الإنسان مع ذاته ومع الآخرين، كما يحكم المجتمع.

وخير مثال مجازي على دور الكلام في إخراج المرأة من العبودية إلى الحرية، مثلها مثل سائر الكائنات المضطهدة، هو مثال شهرزاد. إنّ شهرزاد تمكنت من انتزاع الاعتراف بها، وبحقها في الحياة من شهريار السفاح الفتاك، ليس بفضل جمالها البصري، بل بامتلاكها اللغة، وتخويل نفسها حقّ الكلام، وحقّ استعمال اللغة وتحويلها سردًا شفهيًّا موجّهًا إلى مستمعٍ شرس، لم يعتد الاستماع، ولا الصمت.

بمجرّد انتزاع فرصتها في أخذ الكلام، في أن تكون المتكلم، لا المخاطب فحسب، الفاعل لا المنفعل، الباث لا المتلقي، أعلنت شهرزاد انبجاس المارد الأنثوي المطمور في غياهب التاريخ وكهوفه، المهزوم أمام عنت الرجل وغيّه.

أمام إقدام شهرزاد على أخذ الكلام الذي انهمر كالنهر، تنازل شهريار عن كونه الناطق الأوحد، الفاعل الأوحد، المبادر الأوحد، وتحول إلى مندهش صاغر كالأطفال، لا يقوى على الكلام، ولا على الفعل، ولو انقلبت الأدوار، للاقت شهرزاد حتفَها، على غرار مئات الفتيات اللواتي سبقنَها إلى المقصلة.

انتصرت شهرزاد على غريمها الذي أصبح حبيبَها، وأبًا لأولادها، باقتناصها فرصة الحق في أخذ الكلام، ولكن أيضًا بقوة معرفتها واطلاعها، ما يحيلنا إلى جدوى الكلام العارف والمستند إلى ثقافة وذكاء، في تغيير قواعد اللعبة.

انتزعت شهرزاد حقَّ الكلام عنوةً من الرواة الذكور، الذين حفلت بهم حكايات «الليالي»، دون النساء، وهذا الأمر يُعدّ بحدّ ذاته انقلابًا عظيمًا، ما جعل دورها في الحكاية – الإطار مغايرًا لأدوار الغالبية العظمى من نساء «الليالي» المغلوبات على أمرهنّ.

تُعلّمنا شهرزاد أنّ المرأة لا تملك سلاحًا ضد العنف الرمزي والمادي الممارَس ضدّها سوى كلامها وذكائها وقدرتها على التواصل ونسج الحوار، وأنّ على المرأة ألا تقول أي كلام، بل كلامًا عارفًا ومثيرًا للاهتمام، وأن تتمتع بقوة المعرفة والمهارات اللازمة، وأن تتأهّل لخوض غمار الصراع في الحياة، وألا تنكفئ، وتستلم.

خرجت شهرزاد من الصمت الأنثوي ومن النسيان والغياب، ودخلت عالم اللغة، وبرعت في تخزين الكلام وتنظيمه، وتوليفه، وتأنيقه، وبثّه، فهي وقبل اقتحامها عوالم شهريار المرعبة، كانت قد قرأت «الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين. قيل إنّها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء»، على ما ورد في مقدمة كتاب «ألف ليلة وليلة».

تحتاج النساء اللواتي تمّت مصادرة حقّهنّ في الكلام، إلى مسيرة مضنية مضادة، يتأهّلنَ في خلالها على النطق دون مهابة، ويستعدنَ في خلالها طاقتهنّ على التعبير الحرّ، الطليق، وثقتهنّ بـ «الأنا»، التي دأبت سياسات الإسكات على توهينها وتحجيمها، والمبادرة إلى قول كلام أصيل يكشف حقيقةَ ذواتهنّ، وإرادتهنّ المطمورة، تحت طبقات القمع، والتلقي.

فوعي الذات هو وعي حقيقتها وقدرتها على قول حقيقتها، التي سوف تتشكل عنوةً عن صروح الاضطهاد القائمة، وبفعل عوامل عدة أبرزها المعرفة، بمعناها الشامل والحصري، ونقصد بالحصري، ما يخصّ مشروطية عيشها كامرأة مضطهدة ومقموعة، تعيش مظلومية مأساوية، مردّها التقسيم الجندري للعالم.

إنّ وعي النساء بذواتهنّ هو الذي دفع النساء النسويات الرائدات إلى إطلاق سراح أفكارهنّ والجهر بها على الملأ، وتحمُّل وزر أقوالهنّ، سعيًا إلى الخلاص من عيشهنّ المجحف وخلاص الأخريات، وكل امرأة تأخذ الكلام في بيئة كارهة لها، إنّما تقوم بفعل إنقاذي خلاصي، لا يقلّ شأنًا عن أي فعل نسوي تحرّري.



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة