عندما تتحول الجرائم ضد النساء الى مجرد ارقام

نساء الانتفاضة
nissa.alintifadha@yahoo.com

2022 / 3 / 11

لا نأتي بجديد ان قلنا ان أوضاع النساء في العراق والمنطقة في اسوأ حالاتها منذ عقود، بل ان هذه الأوضاع تزداد سوءا عاما بعد آخر بسبب الحروب وسيطرة القوى الدينية والقومية والرجعية على السلطة في الكثير من البلدان وفي مقدمتها العراق، فالجرائم المرتكبة بحق النساء وبمختلف الذرائع في هذا البلد في تزايد مستمر؛ كما ان استغلال المرأة والمتاجرة بها، صارت ظاهرة تنتشر في جميع المحافظات.
لن نجانب الحقيقة ان قلنا ان اعداد المعنفات والمنتحرات والمتحرَّش بهن، لم تعد سوى ارقام واحصائيات تتناقلها وكالات الانباء والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، دون أي تحسّن في أوضاع النساء. فهن مجرد ارقام، ورغم ان هذه الأرقام تعبر عن واقع مأساوي فأنها لا تمثل الحقيقة كاملة، فأعداد المقتولات او المنتحرات او المعنفات او المتحرَّش بهن، أكبر بكثير من هذه الأرقام الصادرة عن جهات رسمية.
أصعب شيء يمكن تقبّله هو ان تتحول حالات الاغتصاب او الانتحار او تزويج الصغيرات الى مجرد ارقام تتصدر عناوين الاخبار، دون أي عمل حقيقي من اجل تغيير هذا الواقع المؤلم الذي يلغي إنسانية المرأة والفتاة ويجعلها مجرد رقم، تحاول من خلاله وسائل الاعلام ان تجتذب المزيد من المتابعين.
تذكر إحصاءات رسمية أن 20% من الصغيرات في العراق يتزوجن وهن تحت سن الثمانية عشر عاما بل ان 5% من مجموع المتزوجات لم يتجاوزعمرهن الخمسة عشر عاما بحسب تقرير لمنظمة اليونسيف.
أما في جانب جرائم العنف فقد سجلت وزارة الداخلية أكثر من 15 الف حالة عنف ضد النساء في عام واحد، وهذه الأرقام لا تعبّر الا عن الحالات التي تقدمت بشكوى لمراكز الشرطة، فيما ان عشرات الاف الحالات المشابهة تتجنب اللجوء الى مراكز الشرطة نتيجة أسباب مختلفة، بعضها يتعلق بطبيعة تعاطي الشرطة مع هذه القضايا، وأخرى تتعلق بالوصمة الاجتماعية الناتجة عن اللجوء لمراكز الشرطة، وثالثة لا تستطيع الذهاب وتقديم شكوى خوفا من التعرض للمزيد من التعنيف والضرب، والذي قد يصل في حالات كثيرة الى حد القتل. وهكذا فأن الأرقام في تزايد مستمر عاما بعد اخر فأعداد المنتحرات والمقتولات بجرائم متنوعة منها ما يسمى بـ"جرائم الشرف" تتصاعد تصاعدا مخيفا.
ان جميع اركان السلطة في العراق مسؤولة عما يحدث للنساء، وعلى رأس هذه الأركان هي السلطة السياسية المتمثلة بأحزاب دينية وطائفية وقومية تتعاطى مع النساء كأنهن بشر من الدرجة الثانية، ولا بد لهن من الخضوع للرجال دون اعتراض او نقاش ومها حصل لهن. لتأتي بعد ذلك السلطة القضائية والمحاكم ومراكز الشرطة، لتمارس ذات الدور الذكوري الابوي، الذي لا ينصف النساء، بل يبتزهن ويستغلهن وغالبا ما يسخّف ويستهزأ بمعانتهن ودائما ما تحملهن هذه الجهات مسؤولية ما يحدث لهن. اما السلطات المسيطرة في الاوساط الاجتماعية والمتمثلة بالمؤسسات الدينية والعشائرية بالدرجة الاولى، فهي أحد أكثر الأعداء التقليديين للمرأة، فغالبا ما تُعَّد النساء ضمن رؤية هذه المؤسسات الرجعية مجرد سلعة تُباع وتُشترى وليس امامها سوى الخضوع النهائي والمطلق مهما تعرضت للعنف والاستغلال والمتاجرة.
ونحن على أبواب الثامن من مارس (اذار) تحتفل النساء في مختلف انحاء العالم بيوم المرأة العالمي وهي تطالب بالمزيد من الحقوق. وتظل تعاني النساء في العراق من المزيد من الاضطهاد والإرهاب، وليس امامنا نحن كناشطات ومنظمات نسوية الا الاستمرار في طريق النضال، ورغم كل التحديات والتهديدات والواقع المأساوي الذي تعيشه النساء في العراق. فأن طريق انتزاع الحقوق ورغم خطورته الا انه يحمل الأمل، خصوصا مع وجود الكثير من التحررين والمساواتيين الذين بدت أصواتهم تعلو بشكل يومي، وكل ذلك جاء بالتزامن مع انطلاق انتفاضة أكتوبر التي كانت المرأة المتحررة واحدة من ابرز أركانها ومقومات نجاحها النسبي.
سوف تتحول الجرائم المرتكبة ضد النساء من مجرد ارقام على وسائل الاعلام وصفحات الانترنت، الى جرائم يعاقب القانون من يقوم بها بأقصى العقوبات، ويتم تشريع القوانين التي تحدّ منها، وعندها تؤدي النساء في المجتمع دورهن الحقيقي. ولن يأتي ذلك الا بالمزيد من النضال، بالضد من هذه السلطة الذكورية التي تُعَد العدو الرئيسي للمرأة.

اسيل رماح



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة