كيف اشترى انستاكرام العمل المنزلي مرتين من ربة المنزل السريعة ؟

منال حميد غانم
MANAL.HAMEED95@GMAIL.COM

2024 / 1 / 2

في عام 1963 طرحت "بيتي فريدان" كتابها المؤسس للموجة النسوية الثانية في الولايات المتحدة الامريكية بعنوان " اللغز الانثوي " والذي ناقش ما ادعاه العرف حول ربة المنزل السعيدة و ان ربات المنازل يقمن بعملهن المنزلي ورعاية ازواجهن واطفالهن ببهجة , لكنها وجدت ان غالبيتهن تعيسات بسبب الرغبة بتحقيق الانجاز لما هو اكبر من رعاية ازواجهن واطفالهن وهنا كان الافتراض خاص بالنساء البيضاوات من ذوات الطبقة المتوسطة فما اعلى , فبالوقت الذي تشكل لديهن البطالة تعاسة فبالنسبة لبقية النساء الملونات والفقيرات والمهاجرات تشكل البطالة الموت , من الجوع او المرض او ان تكون عرضة للأتجار او هدر الكرامة .
وفي كتابها طالبت فريدان بإخراج النساء من دور ربة المنزل الى الحيز العام لكي تقوم بأعمال يعدها النظام الرأسمالي منتجة كونها تدر دخلا على صاحبتها , وبالفعل خرجت لكنها اصبحت تقوم بعملين في وقت واحد وهما عملها المنزلي وعملها خارج المنزل مما زاد الاعباء عليها وبتطور تعريف البشر حول من هو الشخص الناجح والمنتج لم تكن ربة المنزل تقوم بعمل يندرج تحت ظل ذاك التعريف , وهو الشخص القادر ان يقوم بأكثر من مهمة في وقت واحد ويحقق بذات الوقت سعادته فربة المنزل الان ووفق التقدم الحاصل منذ 1963 الى الان يتطلب ان تكون ربة منزل "سريعة" وسعيدة وذات دخل مادي في وقت واحد, وبالتالي ربات المنازل الان تعيسات مجددا لا بسبب عدم الخروج للعمل بل من اجل " العمل" الذي خفف اعباء الاسرة اقتصاديا وتحديداً الرجل ليزيدها على المرأة دون اعادة توزيع العمل المنزلي او تخفيف معايير المجتمع او تثمين العمل المنزلي المنتج بحق كونه يشكل اعادة الانتاج الاجتماعي .
هذه الاعباء المتزايدة التي تطارد المرأة كان يجب ان تنجز وبتلك المعايير لتحظى ربات المنازل العاملات او غير العاملات بالقبول الاجتماعي , فكان التعرف على ربات منازل اخريات يستطعن التوفيق بين كل هذا بلا مزايدات ليتعرفن على طرقهن وادواتهن الخاصة لتقضية هذا اليوم المثقل بالمهام هو احد الطرق للمواصلة بهامش من السعادة او الرضا كون المشكلة التي ليس لها اسم حسب تعبير بيتي فريدان تحملها اخريات كثر .
على منصة انستاكرام تجد مقاطع للعمل المنزلي المصور التي لا تتجاوز ال28 ثانية حيث يستقبلها انستاكرام و ينشرها بشكل مناسب لتجد طريقها الى الباحثين عنها فتنال رضاهم ويعبرون عن ذلك بكبس زر الاعجاب , محتواها يظهر العمل المنزلي اليومي من طبخ وتنظيف وغسل صحون او اعادة ترتيب ديكور المنزل عملا سريعا ولذيذا ومحفزا على النهوض وتنفيذ الاعمال المنزلية المؤجلة , فهل يعتبر هذا تثمين للعمل المنزلي كونه اصبح يدر ربحا لصاحبته او صاحبه ؟ .
ان نوع المشاهدين لتلك المقاطع ووفق الملاحظة البسيطة بالغالب أناث وبينهن ذكور بمشاهدتهم لتلك المقاطع يتشكل لديهم اعتقاد ان العمل المنزلي عملا سهلا وممتعا ويتركون تعليقات تحاول ان تظهر صاحبة المحتوى كشخص غير منتج وهو بحاجة للمال ولجأ لمصدر الكسب السهل هذا , فصاحبة المحتوى تلك تنال مالا وهي جالسة في منزلها تؤدي مهام الاعتناء بمنزلها او اطفالها وبمجرد تصويرها لنفسها تحصل على المال الكثير الممنوح من منصة انستقرام بناء على عدد المشاهدات وعدد مرات ضغط زر الاعجاب التي يتركها الراغبين بهذا النوع من الفيديوهات , فتنزل بحسابها البنكي بيسر وبأجر يعادل الضعف لمن يعمل خارج المنزل وبأعمال صعبة اولا يحبها , وتقريبا نفس الانطباع يترك في حال لوكان المحتوى يظهر "طفلة " دون ال18 عام تطبخ او تنظف المنزل بل يحسدونها كونها تساهم في تأمين مستقبلها .
اقبال على تلك المقاطع مثير للملاحظة دفع اصحاب الحسابات المخصصة للاثارة الجنسية بأستخدام روتينات العمل المنزلي اليومية وما يتخللها من تحريك لكل عضلات الجسم وابرازها لجذب المتابعين والحصول على اعجابهم ونيل متابعتهم المستمرة . يساهم انستاكرام في تكريس تنميط الادوار جندريا فغالبية مقاطع الفيديو التي ينشرها انستقرام هي لصانعات محتوى اناث وبمجرد هبوطك للتعليقات تجدها من اناث ايضاً, يشعرن بالرغبة بالنهوض و ووضع الهاتف جانبا وتنظيف منازلهن , بنفس مستوى الاهتمام المثالي الذي تقوم به تلك النسوة اللواتي يروج معظمهن اما لأدوات تنظيف او مساحيق أوكل ما له صلة بإتقان العمل المنزلي بأسلوب خطاب موجه للإناث , و تكون التعليقات من رجال مندهشين من كفاءتها او اهتمامها ببيتها ويطرحون تمنيات بأن تهتم بقية النساء مثلهن تماما.
محتوى يتم متابعته بشكل كبير من قبل الرجال وتتم اعادة توجيهه للزوجات والفتيات لغرض اثارة الغيرة لديهن للقيام بالمزيد من الاعمال او تحسين جودة الاعمال المنزلية التي يقدمنها مضافا لها الظهور بمظهر ممتع او مثير .
بالعودة الى الحياة اليومية لا نجد الرجال لديهم الفضول بمعرفة تفاصيل العمل المنزلي بل يجدونها معيبة ويحصرونها بجملة ( شغل نسوان هذا ) وهي جملة تحمل الوصم بالدونية للاعمال نفسها وللقائم بها , ولا الرغبة بمتابعة سير عمل النساء المنزلي ليصل الى نهاية اخر مهمة تقوم بها , بل بالعادة يتركها غارقة بين تلك المهام التي تستغرق وقتها بالعادة ليذهب هو الى ممارسة حياته العادية بالعمل او زيارة الاصدقاء والاقارب او تصفح جهازه وهي ممارسات يعتبر معها حياته روتينية مملة , بينما تعتبرها هي متنفسا فبينما هي ترفع السجاد من تحت رجليه او تنظف المنضدة التي بجانبه او تطلب منه ملابسه لغرض غسلها هو لا يجدها الا امرأة مملة وقاسية وغير مثيرة بالمرة.
لكن لو استطاعت تلك الآلة ان تستعين بآلة اخرى وهي الكاميرا لغرض تصويرها وهي تمارس كل تلك الاعمال سيتحول ذلك العمل الى مصدر دخل , عندها سيتحول عملها المنزلي الى عملا مزدوجا فهي ستمارسه لكن بشكل غير انسيابي بل متقطع نتيجة وجود الكاميرا التي تتطلب ان تعود اليها لضبطها من حيث الدقة والزوايا ومتابعة بطارية الشحن ومسار الضوء وغيرها ثم تعاود لتواصل عملها الذي من المؤكد سيتأخر, وسيستلزم وقتا اكثر من المعتاد لأنهائه وعند الافراغ من الاثنين (العمل المنزلي وتصويره ) تجلس في وقت راحتها الصغير لأجراء المونتاج واعادة ضبط الفلم بشكل مسرع ووضع الموسيقى او الحكم او الكلمات خاصتها المقروءة او المسموعة المناسبة عليه ثم تحميله تمهيدا لطرحه الذي يحتاج جودة انترنت لا بأس بها , عند هذه النقطة سيتحول العمل المنزلي المصور الى سلعة للبيع يشتريها من يشاهدها فقط بسعر ومن يشاهدها ويضغط زر الاعجاب بسعر اخر, ولكنه بالحالتين مشتري لها فرضها عليه انستاكرام بطريقته الخاصة . فأذا كان الشخص يشاهد مقاطعا حميمية مثيرة سيطرح له انستاكرام مقاطع العمل المنزلي تحوي الغنج والاثارة واللبس الانيق واذا كان الشخص مهتم بسماع القصص التي تنته بحكمة سيضع له انستاكرام مشاهد العمل المنزلي حاملة قصة تراثية او قصة معاصرة واذا كان مهتم بمقاطع الضحك والمقالب سيظهر له ايضا عمل منزلي يروي مواقفا مضحكة او تصرفات مضحكة وغريبة اثناء تصوير الفيديو واذا كان مهتم بمتابعة الاكلات والطبخ من الممكن ان يتضمن الفيديو عملا منزليا ضمن هذا الاطار .
اعتبر انستاكرام تصوير العمل ورفعه على المنصة ومطابقته لمعايير النشر شروطا لتثمين العمل المنزلي لكن ضمن الاطار الرأسمالي طبعا ولسبب يخدم التنافس والربحية لا اعترافا بأهمية العمل المنزلي من زاوية تأمينه لإعادة الانتاج الاجتماعي والذي بدونه ستتوقف الاعمال الاخرى , ولتكون النساء العاملات على صناعة محتوى العمل المنزلي كالنساء العاملات الاخريات اللواتي يمارسن عمليين احدهما مأجور وهو كل عمل معترف به مجتمعيا واقتصاديا وسياسيا انه "عمل" منتج وله قيمة تبادلية , والذي من الممكن ان يكون خارج المنزل او من المنزل بكل مراحله من انتاج وتوزيع وبيع والاخر غير مأجور وهو ما تقدمه النساء بسخاء بأسلوب الشمعة التي تحترق من اجل اضاءة من حولها وهو العمل المنزلي.

هذه الفيديوهات التي تستغرق ما لا يقل عن تسع ساعات لعملها ما بين العمل نفسه وما بين عمليات تقطيعه ومونتاجه وتنزليه يتم تسريعها لتصل الى 30 ثانية او اقل , يعني التنظيف المنزلي ذي الدرجة المتوسطة من العناية والذي يستغرق ثلاث ساعات الى ستة ساعات تقريبا سيتحول أمام الجمهور وطالبين تلك السلعة الى 30 ثانية فقط وبالتالي سيشعر المتلقي بان هذا العمل سهل, ومن الممكن البدء به ليشعر بلذة النهاية التي تخبرها كل النساء وهي لذة الانجاز واكمال العمل والاستمتاع بكوب شاي او قهوة بعدها كمن يظفر بجائزة .
مفردة " التحفيز" تلك تظهر اما ككلمة افتتاحية بتلك الفيديوهات العربية منها والاجنبية او تذيلية عند غالبية التعليقات . اذن بطريقة او بأخرى هذا العمل وصل الى النساء ليدفعهن من اجل القيام بأعمالهن وليتناسب مع ظروفهن فمثل ما هناك مقاطع تظهر العمل المنزلي فقط بدون وجه العاملة او يديها او حتى ظلها فهناك مقاطع تظهر رعاية ذوي الهمم أو رعاية اطفال كثيرين وتنظيف المنزل من حولهم كعمل سهل ولا يستغرق وقتا او جهدا, فهذه مساحيق بمجرد وضعها تتحول الدهون الى ماء بني وهذه فوضى عارمة يمكن اصلاحها بثواني وبكل المقاطع من المهم ان تكون اليدين متحلية بالاكسسوارات او ذات بشرة جميلة والوجه غير غاضب او عبوس او مجهد والملابس مرتبة ولطيفة فكل تلك التفاصيل تم العناية بها من اجل استرخاء المستهلك لمدة ثلاثون ثانية , ثم تحفيزه ليقوم بعمل مماثل ينصدم بعدها انه يستغرق اكثر من ثلاث ساعات .
لنتخيل معا :
هنا يتحول انستاكرام الى سوق متفضل على ربات البيوت لأنه فتح ابوابه لمن لا عمل لها منتج ومقدر ويستحق الثناء حتى داخل محيطها بأن تتكسب من تنظيف بيتها بعرض سلعتها البائرة تلك. ولتحقيق ربحيتها عليها ان تفهم قوانين هذا السوق التي تجعل من سلب لب تركيز شخص ما ل30 ثانية متواصلة ودفعه لنقر زر الاعجاب بمثابة الدفع المادي لعارض السلعة الذي فهم حاجة طالبين السلعة او المستهلكين الذين تهمهم اشباعها, وهي الرغبة بدفع التوتر والجنوح للاسترخاء بمشاهدة لذة الانجاز السريعة اما التأثيرات غير الجانبية لشراء تلك السلعة هو ان تشمرِ عن ساعدك وتهرع لتناول المكنسة ومساحيق التنظيف والبدء بعملك المنزلي ( واجبك).
وانستغرام كشركة راسمالية لا يهمها امر بقدر ربحيتها وبما ان تلك الفيديوهات ستلقى قبولا بسبب معايير المجتمع السائدة حول جودة التنظيف وكفاءة ربة المنزل فهو مع نشرها وتداولها ودعمها فعلاقته مع النظام الابوي علاقة تبادلية تضمن المنفعة لكليهما وهذا ما يتحقق بتلك الفيديوهات .فالنظام الرأسمالي هنا حصل على خدمة تقوم بها النساء مرتين مرة بطريقة مجانية وهي العمل داخل المنزل المقدم الى افراد العائلة , ومرة بثمن يشكل ربحيته منها اعلى بمرات من الربح الذي تتلقاه صانعة محتوى العمل المنزلي .
جدلية تثمين العمل المنزلي وتحدياته وطرقه لاتزال محور نقاش المهتمين والمهتمات , كما لا تزال دراسة سلوكيات البشر بالعالم الرقمي وتفاعلاتهم عليه محور نقاش , وتجريب امكانيات فهم محاولاتهم الدائمة في نسخ عالمهم بالكامل الى عالم الشاشات, بما فيها طرقهم الابداعية في الكسب من اجل الخروج من الافقار العمد الذي يتعرضون له او تحسين مستوى دخلهم لمواصلة حياة في نظام يعمل على جعل كل شيء حرفيا يباع ويشترى .
في السابق كان " التحفيز" الذي تباع وتشترى مقاطع العمل المنزلي من اجله , قيمة انسانية يصل اليها الانسان من خلال احتكاكه بالآخرين الذين يشاركونه نفس اهتماماته او يتحفز ذاتيا من خلال الادراك لمسؤوليته ومعنى حياته وبتنظيم الوقت والاهم هو الاستمتاع بما يعمل , اما الان فصار التحفيز قيمة يشتريها من انعدمت او ضعفت رغبته بالاستمتاع بظل وجود مهام واعباء متراكمة ومتزايدة مع كل يوم وكل مفهوم جديد يستحدثه البشر , فصار يشترى عبر حضور كورسات متخصصة فقط للتحفيز معظمها يسوق له على انستاكرام او مشاهدة تلك المقاطع بدل التوقف ومحاولة فهم لماذا نشعر بهذا ؟ هل الحل المناسب لمواجهة الاجهاد هو اخذ جرعات اكبر من التحفيز للمواصلة دون مسائلة الواقع الذي تظن الكثيرات منا أنه قدري. من المهم ان نسال من المستفيد ؟ وما الطرق لإعادة توزيع ذلك العبئ على الاقل .
عند متابعة معظم القنوات والحسابات العربية الخاصة بتقديم العمل المنزلي لا نجد الازواج فيه واذا ظهروا او تم الحديث عنهم وعن مساعدتهم في تلك الاعمال يحاولن اظهارهم على انهم مساندين لهن , وشكل المساندة معروف ضمنيا للمتابعات ( موافقته في اظهار وجهها او كامل شخصها او يديها فقط ) , اما المقابل الذي تدفعه صاحبة المحتوى لتلك المساندة وقبوله لبيع عملها المجاني فيظهر عند الطلاق من خلال البوح المباشر بتفاصيل العنف الاقتصادي , او يتمظهر بتحول اسم المحتوى او القناة الى اسميهما معا او تربط حسابها بحسابه فيهرول لمتابعته من يتابعونها او يبدأ هو شخصيا بالظهور معها كمشرف او مقيم او لإظهار بعض الود ليجعل من تواجد اسمه تواجدا حقيقا وملموسا .
ماذا تكسب ربات البيوت من العمل المنزلي المرقمن ؟
تكسب النساء التحفيز الرديء وتقاس درجة رداءته من وقت سرعة استهلاكه , فصفة هذا المنتج بانه يحدث تأثيرا فوريا بالفعل وبشهادة عدد لا يستقل به و لكنه يزول بمجرد الافراغ من المهام الملقاة على عاتقها وتعود مرة اخرى الى مشاهدة مقاطع اخرى لاسترداد تحفيزها, وهكذا يستمر عمل الدائرة المفرغة من الخمول الى الاجهاد الى مشاهدة مقاطع العمل المنزلي الى التحفيز الى العمل المنزلي الى الاجهاد والملل ثم العودة لمشاهدة المقاطع حتى تتوقف تلك الدائرة باخذ جرعات كبيرة منه , عندها ستشعر بالعجز ولن تنهض لمتابعة مهماها بل ستكتفي بأخذ قسط من الأستمتاع بتلك المشاهدة التي تستهلك الوقت والطاقة, وتمرر المقطع لتنتقل الى غيره فيتوقف انستاكرام عن عرض المزيد من تلك الفيديوهات امام الشاشة حتى تقرر هي ان تتابع بعضا منها في وقت اخر فيتعامل انستاكرام معها على انها مستهلك جديد يستحق العناية به و " لنبدأ معه الدائرة من جديد " .



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة