أوضاع النساء العاملات في العراق

اسيل سامي
nissa.alintifadha@yahoo.com

2024 / 5 / 14

تواجه الطبقة العاملة في العراق العديد من المشكلات والتحديات التي ترافقت مع تزايد حالات الفقر والامية وصعوبة الظروف المعيشية في ظل حكم أحزاب نظام الإسلام السياسي في العراق، نظام الهرمية الطبقية المبني على أسس وتصورات طائفية وقومية ودينية أنهكت البلاد على مدى 21 عاما الماضيين. مارست ومازالت الطغمة السياسية الحاكمة منذ مجيئها عام 2003 والى الان الكثير من الأساليب القمعية بحق المواطنين نتيجة السياسات الاقتصادية الساعية الى تطبيق منهج "النيوليبرالية-الامبيريالية الجديدة" فقد عمدت الى افقار الجماهير وتجويعهم ونهب ثروات ومقدرات البلاد، إضافة الى عمليات المحاصصة للقطاعات بشقيها العام والخاص واستغلال العلاقات في التوظيف للشركات والمؤسسات والمصانع والمعامل، الامر الذي حال الى تسريح العديد من العاملين وارتفاع معدلات البطالة بين صفوف شرائح كبيرة من المجتمع، كذلك الفساد المستشري في جميع مناحي البلاد. ولا يقتصر الامر الى هذا الحد فقد أدى تضخم الأسعار للبضائع والمواد الى عدم مقدرة المواطنين لسد احتياجاتهم اليومية من الملبس والمأكل. ما إثر بشكل كبير على الشرائح الفقيرة وخصوصا النساء في إيجاد فرص عمل رغم كفاءتهن ونيلهن شهادات أكاديمية عليا، جميعها اثارت غضب المواطنين ما أحال الى ظهور الحركات الاحتجاجية المتمثـلة بالإضرابات والمظاهرات وباقي اشكال الاعتراضات بالضد من النظام وسياساته الاقصائية من فترة لأخرى وعلى طول السنة، من أجل خلق ظروف أكثر انسانية وأقل إذلالاً. يقابلها رد السلطة للمحتجين بالعصي والنار وكالعادة يخلف العديد من الإصابات والاعاقات ضمن صفوف المعترضين.

السياسة الطبقية الاقتصادية للنظام وعلاقتها باضطهاد العاملات
على الرغم من أن نسبة النساء في المجتمع العراقي تقارب 49 % من إجمالي السكان، إلا أن فرصهن في سوق العمل مازالت ضئيلة، إذ لا تتجاوز نسبة النساء العاملات حدود 15 % من حوالي العشرين مليون امرأة، بينما تقع 85 % منهن ضحايا عوامل موضوعية تحجم دورهن في المجتمع عموماً وسوق العمل خصوصاً. علما بان هذه النسبة تعد من أدنى معدلات مشاركة النساء في سوق العمل على مستوى العالم.
ترتبط الازمة الاقتصادية والسياسية التي يعيشها النظام الرأسمالي في الوقت الراهن ارتباط وثيقا بقمع وقهر الفئات الأكثر فقرا من المجتمع ومن ضمنها النساء العاملات، ان الاضطهاد الممنهج للنساء العاملات في أماكن العمل له تاريخ طويل وتختلف ذروته من حقبة لأخرى باختلاف الأنظمة الحاكمة -كما تشير له الأمثلة السابقة-، اذ تركز الرأسمالية بطبيعتها الاستغلالية على زيادة حجم الكعكة لا على تقسيمها بعدالة. وحاليًا، يعيش نصف سكان العالم بأقل من دولارين في اليوم، وغالبيتهم من النساء المهمشات وكما هو معروف فان النظام الرأسمالي ينظر إلى النساء كمصدر سهل للعمل الرخيص وكجزء من "الجيش الاحتياطي للعمل" يتم سحبه متى كان هناك نقص في اليد العاملة لقطاعات الإنتاج الرأسمالية ونبذه مرة أخرى متى انتهت الحاجة إليه واعادته الى المنازل لاستغلاله بأعمال الرعاية والاعمال المنزلية المجانية، كما حدث اثناء الحروب العالمية (الأولى والثانية). إضافة الى ذلك فان تكبيل النساء بالظروف المجتمعية المتمثلة بالعادات والتقاليد الرجعية وسطوة العشائر ورجال الدين، حدت من تحركهن ومشاركتهن في سوق العمل اسوة بالرجال، كما تعد هذه الممارسات من أبرز معالم الانظمة الذكورية فما تزال بعض المجتمعات المتخلفة لا تتقبل عمل النساء خارج حدود المنازل وتجده معيب. وهذا يعود الى طبيعة الأنظمة الطبقية الابوية التي سعت عبر تاريخ طويل وهي تحاول ان تكيف النساء وتجعلهن كائنات هامشية غارقات في الجهل، أدنى من الرجال غير مكترثات ولامباليات سياسياً وغير منظمات وهي بذلك تكون قد وفرت الأرضية والقاعدة الاجتماعية للرجعية التي تتكئ عليها تلك الأنظمة لضمان بقاءها وامتداداتها عبر الاجيال، وقد سخرت الدين خدمة لها ببث التأويلات والخرافات داخل أوساط المجتمع ومن بينها الطبقة العاملة كي تبقى الجماهير حبيسة أوهام تصور لهم بان أوضاعهم المعيشية البائسة هي "غضب الهي" وعليهم تقبله ولا يحق لهم الانتفاض ضد النظام لتحسين واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي الكارثي الى الأفضل، وعليهم البقاء عبيداً الى ان تأتي "معجزة" تغير أوضاعهم المأساوية. ليزداد البؤس والاستغلال وهضم الحقوق وتدمير الانسان لنفسه ولبيئته وبهذا أصبح الدين ليس فقط افيونا للشعوب كما قال ماركس بل أيضا محرقة تلتهم الشعوب وتنهيها من الوجود.


غياب التشريعات التي توفر الحماية للنساء العاملات
تعاني النساء العاملات الكثير من الظروف والمشكلات ضمن محيط العمل ومن نواحي عديدة، أهمها تدني الأجور وغياب الضمانات الصحية والنفسية وكذلك التمييز على أساس الجنس والتحرش والمضايقات والحرمان من التامين والعلاج واستحقاق الاجازات الخاصة (بالحمل والوضع والارضاع) وساعات العمل الطويلة وغيرها من الأمور الصعبة التي يمكن أن يواجهها العامل. فبعض النساء يتركن العمل، لكن البعض الآخر يضطررن رغم علمهن بانتهاك حقوقهن إلى قبول بعض المساومات من قبل ارباب العمل مقابل زيادة الأجور أو تقليل ساعات العمل لتمشية أمورهن وإعالة أسرهن في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد، فلا يوجد قانون الى الان يحمي النساء في حال تعرضن الى الإصابات داخل العمل، وعادة ما يتم استبدال العاملة المصابة بعاملة أخرى وخصوصا في القطاع الخاص لتضحى كأنها شيء لم يكن. ناهيك عن تشغيل الطفلات تحت سن البلوغ اللواتي ليس لديهن أدنى الحقوق، لأنه في هذه الأعمار لا يجرى لهن عقد عمل، لذلك تكون حقوقهن مغبونة في الأجر وفي ساعات العمل الإضافية داخل مؤسسات القطاع الخاص واستغلالهن أبشع استغلال ما يتسبب لهن كطفلات تعباً جسدياً ونفسياً.
هذا ويتضمن قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة 2015 على العديد من الفقرات التي ناقشت الحقوق العامة للنساء العاملات في المجتمع العراقي ولكن بخطوط عريضة وغير واضحة تخلو من توفير الضمانات كتحسن اوضاعهن المعيشية وحمايتهن وتوفير مؤسسات حاضنة لأطفالهن ضمن أماكن العمل إضافة الى انه لم يناقش أوضاع النساء الريفيات العاملات ضمن قطاع الزراعة. ورغم ذلك لم يطبق القانون ولم يتم الالتزام به بما يضمن حد أدنى من الحماية القانونية للعاملات الاخريات. وبالرغم من جميع القوانين التي يزعمون أنها توفر الحماية، تبقى النساء الفئة الأكثر استغلالا واضطهادا داخل الطبقة العاملة ويعود ذلك الى طبيعة النظام الحاكم فالدول والحكومات البرجوازية لم تتخذ أي إجراءات فعالة لحماية النساء في مواقع العمل باي جزء من العالم وخاصة في أوقات الازمات، اذ عادة ما ترمي الكرة على رقاب العمال والتي تكن النساء اول ضحاياها. فان ما يهم هذه الأنظمة كيفية زيادة الارباح وتكديس الثروات على حساب العاملين وصحتهم.


توحيد القوى العمالية لإرساء حركة فاعلة ومقتدرة تكن النساء في مقدمتها

خاضت القوى العاملة في العراق العديد من الاضرابات على مدى عقود من الزمن، وحصلت على جزء بسيط من الحقوق التي فرضت نفسها نتيجة لنضالاتها، منذ أول إضراب قاده عمال "مسفن دوكياد" في البصرة عام 1918 وأضراب عمال الزيوت النباتية عام 1968 وتم فتح النار عليهم وتلفيق تهم "الدعارة" ضد العاملات بعد أربع أشهر من سيطرة النظام الديكتاتوري المتمثل "بحزب البعث" آنذاك؛ هنا كانت الحركة الأولى في العراق لتفتيت الطبقة العاملة وكل حركة لكسب حقوقها فأنها ستواجه بالقتل والاتهام.

بعد عام 2003 ومجيئ الاحتلال الامريكي للعراق تقرر حينها منع مختلف أشكال التنظيم العمالي وسلب حق الإضراب والتظاهر في القطاع العام، فسرعان ما باشر البرلمان بسن قوانين التقشف والخدمة المدنية والحريات النقابية وخصخصة المصانع والتعليم والصحة حتى لا يكون دور للاتحادات والمنظمات العمالية لتنظيم الطبقة العاملة والحصول على حقوقهم وحمايتهم. جميع تلك الأمور ساهمت في رجوع الحركة وتشتيت صفوفها.
وفي ظل حكم الميليشيات والنظام الإسلامي الطائفي والقومي القائم في العراق، وسيادة القيم والقوانين البطريركية والدينية والعشائرية واشتداد التضييق على النساء ومنعهن من التعليم او الخروج الى العمل خارج المنازل ومع تدهور الأوضاع المعيشية وفقدان العديد منهن ازواجهن بسبب الحروب التي مرت على البلاد، وجدت الجيل الجديد من الشابات انفسهن امام مفترق طرق فالحاجة الماسة الى تأمين وضعهن المعيشي ولأسرهن اصبح من شروط الحياة الأساسية، خصوصا بعدما اصبح جزء كبير منهن المعيل الوحيد لأسرهن، مما اقدمت العديد منهن على التغلب على تلك الأوضاع والتمرد على العادات والتقاليد البالية، ساهمت الحاجة ببحثهن عن فرصة عمل او مورد لتأمين اوضاعهن المعيشية وسد احتياجاتهن اليومية، فانخرط جزء كبير منهن كعاملات داخل المولات والمحلات التجارية ومراكز التسوق والمؤسسات الاهلية وغيرها... اما النساء الخريجات وغير المعينات فلا يستثنين انفسهن من أي حركة احتجاجية تنبثق بإمكانهن اخذ حقوقهن من خلالها، على سبيل المثال فان انتفاضة أكتوبر 2019 التي اجتاحت مدن عديدة من العراق كان للنساء دور بازر فيها، وعلى خلفية قمع المحتجات من أصحاب الشهادات العليا في خراطيم المياه من قبل قوات الامن آنذاك اندلعت الانتفاضة. ولم يتوقف الامر الى هذا الحد فالمحاضرات بالمجان وجميع التخصصات الأخرى اللواتي لم يجدن فرص عمل ضمن القطاع العام يكن في مقدمة الاحتجاجات التي تطالب بشمولهن بالتعيين. إضافة الى تواجدهن في الفترة الاخيرة ضمن الاتحادات والنقابات وانخراطهن ضمن صفوف الحركات الاحتجاجية مع الرجال بغية تحسين واقعهن، وعلى الرغم من كونه امر مازال جنيني ولكنه يحتسب الى إمكانية تقدم الحركة النسوية العمالية في العراق وتطورها فيما لو وحدت قواها وأدركت اهميته.

يعتمد تطور الحركة العمالية في العراق بشكل عام على تواجد النساء ضمن صفوفه فتوحيد الجهود والقوى للعاملات والعمال والفئات المضطهدة والمفقرة من مختلف الشرائح في المجتمع أصبح ضرورة عاجلة لكيفية حدوث التغير الثوري وقلب موازين القوى الحاكمة لصالحهم. وان خلاص النساء من القيود الهمجية التي تفرض عليهن وتؤبدهن داخل سجون الحياة لا يتم الا بالتنظيم والتكاتف لانبثاق حركة نسوية مسلحة سياسيا واجتماعيا بالأسس الراديكالية المعارضة لجميع الأنظمة والقوانين الذكورية الطبقية الحاكمة في المجتمع. تفرض وجودها لإنهاء الظلم القائم وتحقيق المساواة.
اسيل سامي



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة