ما هي النسوية الايكولوجية؟

يايو ايريرو

2024 / 5 / 29

النسوية الايكولوجية غير معروفة جيدا في البلدان الناطقة بالفرنسية. والرائج من الأدب بصددها مركز عمليا بنحو حصري على النسوية الايكولوجية الروحانية. وغالبا ما يُنظر إلى هذا التيار بارتياب، حتى في الأوساط الايكولوجية الراديكالية التي تعتبره عودة صوفية إلى الأرض. وينتقد بعضها بوجه خاص فكرة «جوهرانية» لدى قسم من هذه الحركة يعتبر مجرد الانتماء الى جنس النساء يستتبع علاقة مغايرة بالطبيعة.

قررنا مناقشة الأمر مع يايو ايريرو Yayo Herrero ، الأستاذة بالجامعة الوطنية للتربية عن بعد بمدريد ومنسقة الايكولوجيون الفاعلون Ecologistes en Action (اسبانيا).



ما هي النسوية الايكولوجية وما تاريخها؟

النسوية الايكولوجية حركة نساء واعيات بأن النضالات من أجل الايكولوجيا والنسوية تنطوي على مفاتيح الكرامة الإنسانية والاستدامة في ظل المساواة. كانت للنساء دوما وجود في حركات الدفاع عن الأرض ولا يزال. وقد كان لهن دور أساسي في معارك الدفاع عن الغابات (لاسيما في شيبكو Chipko)، وفي النضالات ضد بناء السدود على نهر نارمادا Narmada في الهند، وضد بقايا Love Canal السامة التي كانت منشأ الحركة من أجل العدالة البيئية في الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن النساء نشيطات في الحركات المحلية للدفاع عن أراضي جماعات السكان، وفي المعركة من أجل الفضاء العام الحضري ومن أجل أغذية سليمة. على هذا النحو تدافع النساء الفقيرات عن بيئة محمية لأن حياتهن متوقفة عليها بصورة مباشرة.

في منتصف القرن الماضي. ناقشت أول وجهة نظر نسوية ايكولوجية التراتبيات التي يقيمها الفكر الغربي. وأعادت تثمين طرفي تفريع ثنائي مُبخس: المرأة والطبيعة. كما شهَّرت بالثقافة المفعمة بالميز الجنسي، محرك حروب الإبادة وتدمير المناطق وتسميمها وإرساء حكومات مستبدة. انتقدت النسوية الايكولوجية تلك عواقب المنظومة العلمية التقنية على صحة النساء؛ وناضلت ضد النزعة العسكرية وضد تدهور البيئة. وكانت الايكولوجية الألمانية بيترا كيلي Petra Kelly أحد ممثلي هذا التيار.

وواصلت تيارات أخرى، من الجنوب، هذه النسوية الايكولوجية الأولى، الناقدة لنزعة تفوق الذكور. تعتبر هذه التيارات أن النساء حاملات لاحترام الحياة، وتتهم «التنمية السيئة» الغربية بالتسبب في إفقار النساء والسكان الأهالي، أولى ضحايا تدمير الطبيعة. وربما هذه هي النسوية الايكولوجية الأشهر. وتمثل النسويات الهندية فاندانا شيفا Vandana Shiva ، و الألمانية ماريا ميس Maria Mies ، والبرازيلية إيفون غيفارا Yvonne Guevara ، أبرز أوجه هذه الحركة العريضة.

وفي تجاوز للمواقف الجوهرانية هذه، ترى نسويات بنائيات constructivistes (بينا أغاروال Bina Agarwal و فال بلوموود Val Plumwood) في التفاعل مع البيئة مصدر هذا الوعي الايكولوجي الخاص لدى النساء. إن قسمة العمل الجنسية، وتوزيع السلطة والملكية، هما اللذان أخضعا النساء والطبيعة التي ننتمي إليها جميعا ذكورا وإناثا. يجب تحطيم التفريعات الثنائية الاختزالية لثقافتنا الغربية من أجل بناء مضيافية أكثر احتراما وحرية.

رأت الحركة النسوية في النسوية الايكولوجية خطرا محتملا، بالنظر إلى الاستعمال التاريخي السيء الذي قام به النظام البطريركي للعلاقات بين النساء و الطبيعة. لكن النسوية الايكولوجية لا تفترض مسبقا تمجيد الحياة الداخلية باعتبارها أنثوية، وحصر النساء من جديد في فضاء إنجاب برفض ولوجهن إلى الثقافة، ولا تسعى إلى جعلهن مسؤولات عن المهمة الهائلة المتمثلة في إنقاذ الكوكب و الحياة. المقصود بالأحرى إماطة اللثام عن الإخضاع، وتحديد المسؤوليات، وتحميل المسؤولية للرجال و للنساء في عمل استمرار الحياة .

هل توجد نسوية ايكولوجية مناهضة للرأسمالية، وهل تسعى إلى تضافر مع قطاعات اجتماعية أخرى معارضة للنظام؟ وهل يجب على كل مشروع تحرري دمج هذا المفهوم؟ وما هي العناصر الرئيسة لهذه النسوية الايكولوجية؟

في المجتمعات قبل الصناعية، كانت فكرة العمل تطابق فكرة نشاط يجري بكيفية مستمرة، وكان جزءا لا يتجزأ من الطبيعة البشرية. لكن، منذ زهاء قرنين، برز تصور جديد مصنوع انطلاقا من أسطورة الإنتاج والنمو، أفضى إلى تسييج الرؤية السابقة للعمل في مجال الإنتاج الصناعي المأجور.

يؤدي تقليص مفهوم العمل هذا وحصره في دائرة العمل المؤدي عنه إلى طمس عملي للقائمة الطويلة للمهام المرتبطة بإعادة الإنتاج البشرية، التي لا غنى عنها كلها في تحويل المجتمع والنظام الاقتصادي الاجتماعي: التكفل بالأطفال، والعناية بالمسنين، وتلبية الحاجات الأساسية، والاهتمام بالصحة، والدعم العاطفي، وتشجيع المشاركة الاجتماعية… يتعلق الأمر في نهاية المطاف بكمية هائلة من وقت العمل غايتها تأمين تلبية الحاجات الإنسانية ورفاهية الأشخاص، والتي يسقط معظمها، بفعل قسمة العمل الجنسية المفروضة من الايدولوجيا البطريركية، على كاهل نساء البيت.

اعترف الاقتصاديون الكلاسيكيون، رغم أنهم لا يُضفون على هذا الجهد أي قيمة، بأهمية العمل المنزلي العائلي، وعرَّفوا الأجر بما هو كلفة إعادة إنتاج تاريخية لطبقة الشغيلة. وكانوا يجنحون إلى الاعتراف بقيمة العمل المنزلي، لكنهم مع ذلك لم يدمجوه في الإطارات التحليلية لعلم الاقتصاد.

اختفى هذا التناقض بالكامل تقريبا مع الاقتصاد النيوكلاسيكي الذي أضفى بصورة نهائية طابعا مؤسسيا على فصل الفضاء العام عن الفضاء الخاص، والإنتاج السلعي عن الإنتاج المنزلي، مقصيا بذلك هذا الأخير وطامسا له.

إن هذا الميز في الأدوار هو الذي أتاح للرجال الانشغال وقتا كاملا بالعمل السلعي، أحراراً من إكراهات المهام المرتبطة بالأشخاص وبالأسرة و العناية بحفظ الصحة في البيت. وبهذا النحو جرى فرض تعريف للاقتصاد لا يدمج قسمة العمل الجنسية، ولا يعترف بدور العمل المنزلي الحاسم في إعادة إنتاج النظام الرأسمالي.

بيد أنه رغم فصل العمل المرتبط بالعناية عن المحيط الإنتاجي، فإنه ينتج» مادة أولية» أساسية للعملية الاقتصادية التقليدية، ألا وهي قوة العمل.

لا يمكن للنظام الرأسمالي أن ينتج، في إطار علاقات الإنتاج الخاصة به، قوة العمل التي يحتاج. تتطلب إعادة الإنتاج اليومية، وعبر الأجيال بوجه خاص، كمية هائلة من الوقت والطاقة يستحيل على النظام أداء مقابل عنها. عملية التربية والتنشئة الاجتماعية والعناية بالمسنين معقدة تستوجب إحساسات ومشاعر تتيح تطور كل فرد في جو ثقة معينة.

يدافع الفكر النسوي الايكولوجي المناوئ للرأسمالية عن فكرة أن النظام الاقتصادي الاجتماعي له شكل جبل جليد. السوق هو القسم الطافي والبارز. وتحته توجد كتلة أعظم بكثير: عمل الحفاظ على الحياة. وهذان الجزءان من جبل الجليد متمايزان جيدا. القسم الرئيسي مخفي عن الأنظار، لكن الجزأين يشكلان كلا لا تنفصم عراه. وإلى الجليد الغاطس المتمثل في المنزلي وفي تجدد الأنظمة الطبيعية، تستند كتلة العمل المأجور للاقتصاد التقليدي. طمس الدائرة الممركزة على تلبية الحاجات الأساسية والرفاه والتي تمتص التوترات، أمر لا غنى عنه للحفاظ على النظام على حاله.

يمكن القول بوجود تناقض عميق بين عمليات إعادة الإنتاج الطبيعية والاجتماعية وعملية تراكم رأس المال. إذا كانت إعادة الإنتاج الاجتماعية والحفاظ على الحياة ذات أسبقية في الاقتصاد، سيكون النشاط موجها صوب الإنتاج المباشر لمنتجات الاستعمال وليس التبادل، وسيكون الرفاه هدفا بحد ذاته.

يستحيل ايلاء الأسبقية للمنطقين في الآن ذاته. فليس هدف الأسواق الرئيسي تلبية الحاجات الإنسانية، ومن العبث الأمل في أن تتحول الحاجات الإنسانية في هذا النظام إلى مركز مفضل للتنظيم الاجتماعي.

ما الذي يجب ان يكون أهدافا ذات أولوية والحالة هذه؟

يجب أن يكف كل من تحقيق الأرباح والنمو الاقتصادي عن تكييف توزيع الوقت، وتنظيم الفضاء ومختلف الأنشطة البشرية. فبناء مجتمعات قائمة على الرفاه يتطلب مَفْصَلَتُها حول إعادة الإنتاج الاجتماعية وتلبية الحاجات، دون تقليص القاعدة البيو فزيائية التي تتيح للنوع البشري الحياة.

من شأن المنظورات الابتداعية (غير الأرثوذكسية) في الاقتصاد أن تمد علم الاقتصاد بالنفع الكثير. يُبرز لنا الاقتصاد الايكولوجي أن قسما كبيرا من النشاط الاقتصادي ضار، لأنه يستهلك موارد هائلة دون أن يولد رفاهية. والأسوأ أنه ينتج الكرب. ويقلب الاقتصاد النسوي مقولة العمل، واضعا في المركز نشاطَ النساء المحتقرَ ومُبخَسَ القيمة تاريخيا، رغم أنه ركيزة الحياة اليومية. وهذه المنظورات والمقاربات المختلفة، إلى جانب قطاعات أخرى من الاقتصاد النقدي، لا غنى لبناء نموذج جديد عنها.

اعترافُنا بأننا كائنات هشة بحاجة إلى اهتمام من أشخاص آخرين خلال دورة حياتنا يتيح إعادة تحديد وإتمام مفهوم الصراع بين العمل ورأس المال، وتأكيد أن هذا الصراع يتجاوز التوتر بين رأس المال والعمل المأجور، ويعكس التناحر بين رأس المال ومجمل العمل، مؤدى عنه وغير مؤدى عنه.

ولنتذكر أيضا، ضمن منظور ايكولوجي، التناقض الأساسي بين الاستقلاب الاقتصادي الراهن واستدامة الغلاف الحيوي biosphère يؤكد أهمية تآزر المنظورات الايكولوجية و النسوية. ويُبرهن المنظور الايكولوجي على استحالة مجتمع النمو الاقتصادي. وتبرز النسوية بنحو محسوس هذا الصراع في حياتنا اليومية، وتندد بالمنطق البطريريكي والمركزي الذكوري للتراكم وللنمو.

إن التوتر غير القابل للحل والجذري القائم بين النظام الاقتصادي الرأسمالي واستدامة الحياة البشرية يشهد، في الواقع، على تعارض جوهري بين رأس المال والحياة.

إن تغييرا للمنظور ضرورة. يجب أن يكون المحور المُهيكل للمجتمع هو تلبية الحاجات الأساسية التي تتيح للأفراد أن يكبروا ويتطوروا ويعيشوا بكرامة، وكذا العمل وأشكال الإنتاج الضرورية اجتماعيا لذلك. الهدف الذي لا غنى للمجتمع وكذا للعملية الاقتصادية عنه يجب إذن أن يكون هو وضع تلبية الحاجات الأساسية و الرفاه على قدم المساواة.

ليست النساء، في هذا المنظور الجديد، أشخاصا ثانويين، ولا تابعات، بل صانعات لتاريخهن الخاص، ومبدعات ثقافات وقيم عمل، مغايرة لقيم النموذج الرأسمالي والبطريركي.

أجرى المقابلة خوان تورتوزا Juan Tortosa

نشر بالعدد 200 من المجلة نصف الشهرية solidaritéS

ترجمة جريدة المناضل-ة



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة