المرأة الفلسطينيةبين الواقع والطموح

صلاح عبد العاطي

2007 / 2 / 18

تمهيد:-
أصبح موضوع المرأة منبرًا مهما في مجال الأبحاث والمؤتمرات والمحافل الدولية, فالمرأة نصف المجتمع ولديها طاقات هائلة مثل الرجل، فحرمان المجتمع من طاقات المرأة تبديد لفرص التنمية الشاملة لذا فعلى الحريصين على هذه التنمية إزالة كل ما يعيق هذه المشاركة من تمييز ضد المرأة في مختلف الميادين. وبالرغم من واقع التمييز ضد المرأة في المجتمع الفلسطيني والعربي ألا أن مسيرة تطور المرأة ومشاركتها في الحياة تواصلت على كافة المستويات, مقارنة مع ما كانت علية المرأة قبل قرن من الزمان حيث كانت على هامش الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولم يكن لها الدور الذي يطلق حريتها في التقدم بل على العكس كانت هناك قيوداً اجتماعية وثقافية كالعادات والتقاليد والتي تحد من حركتها, فلم يتعدى دورها الإنجاب وخدمة الزوج وان من يحدد لها مستقبلها هو الأب أو الزوج أو الأخ دون إن تتخذ قرارًا يحدد مصيرها "كا اختيار التخصص الدراسي أو الزواج مثلاً بمن ترغب و بما هذا التفكير نابعاً من السلطة الأبوية والتي تجبر الفتاة على تنفيذ الأوامر دون نقاش.
وقد برز دور المرأة جلياً من خلال المنابر والدراسات والمؤتمرات والتي نادت بحقوق المرأة والاعتراف بها كعنصر مهم في الحياة؛ باعتبار التقدم وتمكين المرأة في مجالات العمل الاقتصادي هو الطريق للتنمية وإلى تمكينها في الجوانب الأخرى السياسية والاجتماعية، وقد يحدث ذلك تغييراً في القوانين كما حدث في تطوير النظريات التعليم والتربية بعد ما ساهمت المرأة فيها، فتمكين المرأة لا يتطلب إحداث الانقلاب على الرجل،ولكن يأتي من خلال تشجيع دور المرأة باعتبارها عنصر أساسي في التنمية, فالنهضة الوطنية لا يستطيع الرجل القيام بها منفردا سواء على الصعيد السياسي أو الاجتماعي ولذلك فإن تمكين المرأة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً هو شرط أساسي لقيام نهضة وطنية وتنمية شاملة.
وبما إننا نتطرق لوضع المرأة في فلسطين فعلينا الاعتراف بحقيقة الواقع الفلسطيني الذي كان ولا يزال يعتمد على صمود الإنسان "المرأة والرجل" وقدراته، إلا إن الحديث عن أوضاع المرأة في بلادنا، هو بالضرورة جزء من الحديث المباشر وغير المباشر، عن أزمة مجتمعنا الفلسطيني الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية والثقافية، بارتباطها بالأزمة العامة للمجتمع العربي، انطلاقاً من رؤية معرفية شمولية تقوم على أن مجتمعاتنا عموماً، لا تعيش، أو تنتسب إلى زمن حدائي أو حضاري ديمقراطي بالمعنى الجوهري، ما جعل من استمرار الأنماط والأزمنة القديمة أو إعادة إحيائها عبر إعادة إنتاج التخلف أمراً يكاد يكون طبيعياً بوسائل إكراهية وعنيفة أحياناً، أو بوسائل تبدو أنها سياسية في أحيان أخرى.
وادي تراكم هذه المظاهر في حالتنا السياسية الفلسطينية عبر أدوات وعلاقات السيطرة الفردية والبيروقراطية والإخضاع للأغلبية الساحقة من الأفراد في مجتمعنا إلى استفحال الأزمات، والتي لم تقتصر آثارها الضارة ونتائجها السلبية عند الحق الخاص " للرجل أو المرأة" المرتبط بالمعنى السياسي أو الديمقراطي أو القانوني أو الحرية في الرأي والتعبير فحسب، بل تمتد الأزمة إلى الحق أو الحيز العام لكل المجتمع بكل أفراده من النساء والرجال على حد سواء بما يعمق مظاهر الهبوط السياسي على الصعيد الوطني ومظاهر التخلف والتبعية على الصعيد الاجتماعي الداخلي.
ولعل طرحنا لهذه الخصوصية المرتبطة بقضية المرأة في المجتمع الفلسطيني، يستهدف التصدي لهذه النظرة الموروثة المستقرة للآن في الذاكرة الجمعية لمجتمعنا، كامتداد لاستقرارها في العلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد والأعراف التراثية والموروثة المشوهة التي تتجدد يومياً في سياق عملية إعادة إنتاج التخلف عبر الأزمة الراهنة في بلادنا، بما يجعل من التصدي لكل هذه العوامل الموروثة السالبة قضية ترتبط أولاً وأخيراً بالتصدي لأزمة مجتمعنا كله بكل أبعادها، ذلك لأن أي حديث عن خصوصية المرأة، أو قضاياها بمعزل عن هذه الأزمة العامة، لا يرتقي في أحسن الأحوال إلا إلى شكل من أشكال الترميم الظاهري أو الشكلي لبنيان مهترئ، فالعمل الإصلاحي لا يحل القضايا الأساسية المتعلقة بحرية المرأة، ولا يحقق لها المساواة في الحقوق المدنية والاجتماعية، بالضبط كما هو العمل الخيري أو الإغاثي ـ السائد اليوم عندنا في ظروف الانتفاضة بصورة خاصة ـ يظل عملاً هامشياً، غير أساسي، لن يقضي على الفقر والحاجة كما لن يسهم في تعزيز الصمود والمقاومة بقدر ما يسهم في خلق قيم سالبة .
فالتحرر الحقيقي للمرأة إذن، هو التحرر من الاضطهاد الاجتماعي بمساواتها بالرجل في الحقوق، وفي اتخاذ القرار في كل الميادين وعلى كل المستويات، والمشاركة في الأنشطة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأسرية، هذا هو التعبير عن حقيقة الارتباط الوثيق بين قضايا المرأة الفلسطينية وقضايا مجتمعها في الاستقلال الوطني والنهوض والتقدم الاجتماعي والتنمية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وهي قضية يتحمل مسؤوليتها الطليعة المثقفة من الرجال والنساء على حد سواء، لأن مواجهة جوهر الأزمة الراهنة، بكل مظاهر التخلف والتبعية والجهل والاستبداد والقهر، إلى جانب الفقر وسوء توزيع الثروة وغياب العدالة الاجتماعية، يحتم هذا الترابط الجدلي الفعال بين السياسة والاقتصاد، أو بين التحرر الوطني والقومي من جهة، والتحرر الديمقراطي المجتمعي الداخلي من جهة أخرى ، فإذا كان العامل السياسي في ظل الأزمة الراهنة يلعب دوراً هاماً في تعزيز الهيمنة السياسية الطبقية البيروقراطية الفردية، فإن العامل الاقتصادي يعزز ويكمل ذلك الدور في المجتمع عموماً، وفي إخضاع المرأة بصورة خاصة بالاستناد إلى التشريعات والقوانين من جهة، و بالاستناد إلى الهيمنة الذكورية الاقتصادية والتاريخية من جهة أخرى.
إذن وفي سياق حديثنا عن قضية المرأة في بلادنا، فإن التحرر الاقتصادي شرط أولي لكل تحرر مادي أو معنوي، اجتماعي أو سياسي أو غير ذلك، وهنا تتبدى أهمية العمل بالنسبة للمرأة كشرط أساسي لعملية تحرر المرأة ، إذ أن العمل المجرد الذي يتيح دخول أعداد كبيرة من نساء الطبقات الشعبية الكادحة إلى سوق العمل المأجور، لا يوفر سوى شكل من أشكال التحرر الجزئي الاقتصادي، وهي ظاهرة معروفة في مجتمعنا العربي، بحيث تبقى المرأة خاضعة لشروط الاضطهاد والخضوع الاجتماعي داخل الأسرة وخارجها، خاصة وأن طبيعة التطور المشوه في مجتمعاتنا تعدد أنماطه، وتباينها في القرية عن المدينة عن المخيم وفي المناطق الفقيرة من حيث العلاقة والموقف من المرأة، رغم شكلية هذه التباينات التي تتوافق في النهاية أو الجوهر مع طبيعة البنية الذكورية للمجتمع التي لا تقبل الاختلاف أو التعدد في الرأي أو النقاش الحر المفتوح إلا في حالات استثنائية، والمفارقة إن العدد الأكبر من جماهير النساء في بلادنا ـ يقبلن بهذه الذكورية في ظل استمرار غياب شعور المرأة بذاتها بصورة واضحة، بل وتتحمل ـ بصورة طوعية أحياناً لاعتبارات دينية أو تراثية .
ولكي لا نساق إلى التحليل غير العلمي، نقول أن الخصم الأول للمرأة هو المجتمع بأغلاله وقيوده وفقره وتبعيته الناتجة ن تخلفه وعجزه عن التحرر الوطني والاجتماعي، وليس الرجل زوجاً أو أخاً أو أباً... إلخ ـ الذي يبرز في كثير من الحالات أو أشكال التعامل كخصم في ظرف محدد ـ فالمجتمع كسبب أولي ورئيسي، هو الذي يميز بين الطفل الذكر منذ صغره عن أخته التي تتعلم أو تتشرب الرضوخ لأخيها وللجنس المذكر عموماً منذ نعومة أظفارها، إذن فالرجل كجنس ليس مسئولا عن اضطهاد المرأة في ظروف القهر والفقر والتخلف المشترك لكل منهما، وهو اضطهاد مرفوض بالطبع بغض النظر عن دوافعه وأسبابه؛ على أي حال، وبالرغم من هذه الصورة، وتعدد المعوقات، فهناك المئات من النساء الطليعيات اللواتي ساهمن بدورهن في مسيرة الكفاح الوطني عموماً وفي مسيرة النضال الاجتماعي ـ الحضاري من أجل تخليصها من كل الموروثات السالبة، وتحريرها وخلاصها من كافة المعوقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على وجه الخصوص، وفي هذا السياق فقد شاركت المرأة الفلسطينية في المؤتمر الرابع للمرأة الذي عقد في بكين في 15/9/1995، الذي ناقش أهم القضايا المرتبطة بالمرأة: كالفقر والصحة والعنف والحقوق، ودورها في الاقتصاد والتنمية، وأصدر المؤتمر ما عرف بـ "إعلان بكين" الذي استعرض أهم القضايا والمطالب الخاصة بالمرأة وحقوقها وأكد على الأهداف الرئيسة للمرأة، الخاصة بمساواتها وتقدمها وزيادة مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والتنموية . فإقرار "إعلان بكين" كوثيقة إجماع وكدليل عمل المؤسسات وحكومات المجتمع الدولي الموقعة عليه، وتأكيده على أن قضية المرأة هي قضية عامة واحدة في العالم كله، يشكل في حد ذاته بعداً إنسانياً أممياً عاماً لا يتعارض مع قضايا المرأة الخاصة، والتفصيلية من حيث حجم الاستغلال والاضطهاد وحقوق المرأة ودرجة تقدمها، التي تختلف باختلاف المكان والزمان، واختلاف العناصر التاريخية الموروثة، والحديثة المعاصرة المكتسبة، المكونة لقضايا المرأة. إذ أن خصوصية أوضاع المرأة في بلادنا بمعنى اختلافها عن مثيلاتها في أوروبا وأمريكا أو آسيا أو أفريقيا لا تتعارض مع صحة القضايا العامة المعاصرة الصحيحة التي أكد عليها "إعلان بكين"؛ وفقا لما سبق فإن وعينا بأهمية الترابط المستقبلي العضوي لقضايا المرأة الفلسطينية بالحركة النسائية العربية، يشترط إدراك الخصائص المميزة لمجتمعنا الفلسطيني، والمجتمعات العربية من حولنا، لاستكشاف واستنهاض عناصر التوحد لقضية المرأة العربية، ذلك لأن الحركة النسائية العربية، لم تزل بعد، غير موحدة البرامج والأهداف، ويغلب على بنيتها التشتت والضعف، إلى جانب العديد من الخلافات ذات الطابع الفكري الديني والسياسي، لذلك فان المطلوب أن تتوحد الطليعة النسوية الديمقراطية في إطار برنامج تنموي عصري موحد، يمكنها من النضال لتحقيق أهدافها، وبلورة دور الحركة النسائية كحركة اجتماعية فاعلة في صفوف الحركة السياسية الوطنية الديمقراطية العامة من جهة أخرى، وانطلاقا مما سبق تأتي هذه الدراسة.
مشكلة الدراسة وأهميتها:

إشكالية حقيقية هي قضية المرأة في المجتمع الفلسطيني، فهي تنفتح على مجموعة واسعة من القضايا التي تتسع ربما لقضايا الحياة عامة في المجتمع لذا تحظى دراسة واقع المرأة في فلسطين بأهمية خاصة، كون النساء يواجهن قدراً كبيراً من التمييز الاجتماعي ومن عدم المساواة, فلا تزال المرأة الفلسطينية بعيدة عن المساواة الكاملة مع الرجل, كما لا يزال دورها ضعيفاً على صعيد المشاركة في الحياة السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وفي المجالات التنموية الأخرى, ويعود السبب في ذلك إلى عوامل منها, سيادة للثقافة الذكورية التقليدية والمحافظة في المجتمع الفلسطيني التي تقيد تحقيق المساواة الكاملة على المدى البعيد, كما أن السلطة الوطنية والمنظمات الأهلية لم تقم ببلورة وتطوير سياسات تنموية اجتماعية في القطاعات المختلفة من شأنها تقوية وتمكين المرأة, وزيادة مشاركتها في صنع القرار الوطني العام بين الرجل والمرأة, وتشريع ذك بسن قوانين وسياسات ملائمة.

وكما وتكشف الدراسة عن الدور النضالي للمرأة في فلسطين حيث أن دورها متميزاً يتساوى مع دور الرجل بل و يفوقه في بعض الأحيان, فالمرأة هي أساس العائلة الفلسطينية. فقد أسهم النضال الفلسطيني في نشوء حركة نسائية نشطة وقوية شكلت جزءاً جوهرياً من النضال الوطني, حيث شاركت المرأة في الانتفاضة والمقاومة, ومنذ اتفاقات أوسلو عام 1993 أخذت الحركة النسائية بالتوسع في نشاطها ليشمل التصدي للتمييز والعنف وحقوق المرأة وقضايا تمس النساء الفلسطينيات, ولكن طاقة النساء ظلت محدودة نتيجة لنقص الموارد وبفعل مقاومة الثقافة السائدة للتغيير الاجتماعي, ووجود الاحتلال الذي يشكل العائق الأساسي أمام إحداث تنمية اجتماعية واقتصادية، وخاصة في ضوء عدم تهيئة الظروف السياسية والقانونية والمادية والاجتماعية للقيام بتنمية ونهضة شاملة للمجتمع الفلسطيني وفئاته المتعددة بما فيها المرأة، إضافة إلى ذلك ما تعانيه المرأة الفلسطينية من ظروف معيشية صعبة جراء سياسات الحصار والعقاب الجماعي, ومعاناة المرأة كأم وزوجة وربة أسرة، كل ذلك شكل لنا دافعا لدراسة واقع المرأة الفلسطينية محاولين استشراف المأمول لتطوير هذا الواقع بشكل يكفل احترام حقوق المرأة ويضمن مساهمتها في عملية التنمية في فلسطين.

أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلي :-
1-التعرف على واقع المرأة والتحديات التي تواجهها في المجتمع الفلسطيني، والمراحل التاريخية التي تطور فيها دور المرأة.
2- البحث في فاعلية المشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية ومدى قدرتها على التغيير المجتمعي من خلال هذه المشاركة والأسباب التي تحول دون تحقيقها ذلك.
3- التعرف على الحقوق الخاصة بالمرأة المنصوص عليها في المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والقوانين الفلسطينية السارية والتي يجب على المجتمع مراعاتها.
4- تناول عدد من القضايا المرتبطة بالمرأة بقصد الوقوف على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية.
منهج الدراسة:
يفرض موضوع البحث منهجه ونظرا لتشعب مفردات الدراسة بين ماض يتطلب تتبع تاريخي وحاضر يصف ويتفحص مشكلات قائمة فقد حرصنا على تبني منهج علمي مركب متعدد الأهداف والمهام وهو المنهج الوصفي التاريخي التحليلي الوثائقي.
محتويات الدراسة:-
ستتناول الدراسة واقع المرأة الفلسطينية من محاور متعددة في ثلاثة مباحث رئيسة الأول: يتبع تطور المرأة الفلسطينية عبر التاريخ الحديث، والثاني: يتناول المرأة الفلسطينية وقضايا التنمية عموما، والثالث: يتناول المشاركة السياسية للمرأة، وتختتم الدراسة بعدد من الاستنتاجات والتوصيات.


المبحث الأول
المرأة الفلسطينية عبر التاريخ الحديث

المعروف لكل متابع أو باحث في تاريخ الشعب الفلسطيني وثورته ضد الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية، أن المقاومة الفعلية،استندت في سياق تطورها من الفكرة إلى التنظيم إلى الحركة الثورية على الجماهير الشعبية ، وفي خضم هذا الصراع الوطني قامت المرأة الفلسطينية بالمشاركة مع الرجل، زوجاً كان أو أباً أو أخاً، فباعت ما تمتلكه من مصاغ لتأمين البندقية، وقامت بدورها في تأمين المعدات والسلاح والغذاء والمعلومات، "وبعضهن خضن مقاومة عنيفة بجانب رجالهن في ذلك الوقت ومنهن من لبست الزي العسكري، وتدربت على المقاومة المسلحة، مثل فاطمة غزال، التي استشهدت في معركة عزون، ومناضلة أخرى أطلقت النار على كابتن بريطاني في مركز جنين وأردته قتيلاً، وريفيات حكم عليهن بفترات سجن عالية تراوحت بين سبع لعشر سنوات ، إلى جانب "أخوات القسام" في حيفا القديمة اللواتي خضن غمار مقاومة شرسة بجانب رجالهن" ، وفي الجانب الآخر من الصورة نجد أن "نساء النخبة نجحن في تأسيس منظمات نسويه كانت مقتصرة بالأساس على تلك الشريحة من النساء، من العائلات "العليا"، المدنية والمتعلمة، كما أن الأنشطة التي قامت بها نساء النخبة في ذلك الوقت كانت مستمدة بدرجة كبيرة من رؤيتهن لواقعهن الطبقي، ومحدودة بحدود هذا الوعي.
وبالتالي لم تساعد هذه النخبة "من زوجات وبنات كبار الملاك آنذاك" في تشكيل قيادة للنساء الريفيات أو تشكيل أي قاعدة لهن في الريف، حيث لم تكن نساء الريف هدفاً للتنظيم أو للمشاركة في أنشطة نساء النخبة، الاستثناء الوحيد لذلك، كان مشاركة الأخت ميمنة ابنة المناضل عز الدين القسام في مؤتمر "نساء الشرق" عام 1938، الذي نظمته هدى شعراوي لمساندة قضية فلسطين، حيث ألقت معظم المشاركات كلماتهن بالفرنسية والإنجليزية، وعندما جاء دور ابنة القسام لتلقي كلمتها فقدت الوعي ولم تنطق بكلمة واحدة" ، وهو مشهد معبر نتركه بلا تعليق.
- المرأة منذ عام 1948 وحتى 1965 :
وبحلول النكبة الأولى عام 1948، التي فرضت أوضاعاً طارئة غير عادية حيث ترافق وجود "مجتمع اللاجئين" في الضفة وقطاع غزة، والشتات عموماً، مع انهيار كامل لقاعدتهم الاقتصادية أو الإنتاجية التي كانت تقوم عليها علاقاتهم وحياتهم قبل النكبة، فقد فرضت الظروف "الجديدة"، على اللاجئين من والنساء بصورة خاصة منهم ، ممارسة سلوكيات لم تستوعبها المفاهيم والقيم والعادات التقليدية في القرى والمناطق الفقيرة من المدن، مثل اضطرار المرأة للعمل، والاستقلال النسبي للأبناء، والبطالة والفقر والحرمان والمعاناة، حيث أسهم كل ذلك في خلق حالة من الاغتراب، لدى الرجل والمرأة، فالوضع البائس في المخيمات ولد انسحاقاً ثقيلاً مادياً ومعنوياً، مثل وقوف المرأة في طوابير لاستلام الإعانة، وهو أمر كريه لم يعهده الشعب الفلسطيني من قبل، وتفشي الأمراض والشعور بالدونية، الذي ترافق مع كل أشكال ومشاعر الحقد الوطني ضد العدو الصهيوني ، في إطار حالة الاغتراب الجماعي الذي عمق في صفوفهم التمسك بهويتهم الوطنية وحقهم في العودة، فالخلاص بالنسبة لهم لم يكن يعطي الأولوية لتحسين الأوضاع الحياتية، بل التخلص من علة اللجوء في المخيم.
وليس من المبالغة في شيء القول بأن المرأة الفلسطينية في مرحلة ما بعد النكبة كان لها دور هام، وبصورة عفوية، في تأجيج المشاعر الوطنية والحفاظ على الهوية وحق العودة، إلى جانب تأجيج المشاعر الطبقية والاجتماعية، نظراً لشدة وعمق معاناتها، وتماسها اليومي المباشر مع كل مظاهر الحرمان والمرض والمعاناة اليومية التي فرضت عليها تدبير ما لا يمكن تدبيره لأطفالها وأقاربها في سياق المعاناة الأوسع على مساحة المخيم التي تلف الجميع من أبنائه وبناته في إطار من الرهبة والقسوة والخوف من الغد، والترقب والريبة، والحذر والاستنفار الدائم، شكلت كلها مدخلاً واسعاً لاندفاع أبناء المخيم ومشاركتهم النوعية والكمية الهائلة في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية منذ ما بعد النكبة الأولى 1948 إلى يومنا هذا، ولكن رغم عمق تأثير ذلك الدور العفوي للمرأة الفلسطينية، في مخيمات الضفة والقطاع والشتات، وبالرغم مما تعرضت له من صنوف الاضطهاد، لم يكن هناك أي دور ملموس للحركات أو المنظمات النسائية حتى عام 1964 حينما تأسس "الاتحاد النسائي الفلسطيني" الذي كان من أهم أهدافه "رفع مستوى المرأة اقتصادياً واجتماعياً وصحياً ورعاية المرأة العاملة ورعاية الأمومة والطفولة".
ونستطيع القول أنه طوال المرحلة من 1948-1967، لم تتبلور حركة نسائية ذات طابع وطني اجتماعي، على الصعيد الجماهيري في أوساط النساء الفلسطينيات، وظل نشاط الاتحادات والمنظمات والجمعيات الخيرية النسوية، قاصراً على أعداد محدودة من النساء عبر اللقاءات والاجتماعات النخبوية أو في إطار الأحزاب السياسية الوطنية والقومية واليسارية آنذاك امتداداً في الأوساط الاجتماعية للنساء، خاصة في المناطق الفقيرة من المدن، والقرى والمخيمات، حتى هزيمة حزيران 1967، وصعود نشاط وفاعلية حركة المقاومة الفلسطينية كعنوان وإطار رئيس تغلب على كل النشاطات المدنية والاجتماعية الأخرى، مما أدى إلى تراجع نشاط الجمعيات والاتحادات النسائية على قلته وضعفه، لحساب فصائل المقاومة الفلسطينية، التي استوعبت معظم العناصر النسوية العاملة في النشاط العام واندماجهن في العمل السياسي عبر علاقتهن التنظيمية مع هذا الفصيل أو ذاك.
-المرأة منذ عام 1965 وحتى 1987:
تأسس "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية" عام 1965 بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، وأهدافه "تعبئة المرأة الفلسطينية في جميع المجالات والنهوض بمستوى المرأة الاجتماعي والاقتصادي والصحي والثقافي والقانوني... إلخ" . إلى جانب بعض الجمعيات الخيرية في الضفة والقطاع، ففي هذه المرحلة شاركت المرأة الفلسطينية بصورة واضحة رغم نسبيتها في مسيرة النضال الفلسطيني، بكل أشكاله، في الكفاح المسلح، وعلى الصعيد الوطني الاجتماعي، وفي العمل السري المنظم في الضفة والقطاع وقامت بتنفيذ الكثير من المهمات التي لم تتوقف عند الجانب النضالي أو التنظيمي السري أو الاعتصامات والمظاهرات والمهام الوطنية الأخرى بل امتدت في تطويرها نحو الإسهام في تشكيل العديد من الأطر والمنظمات والجمعيات النسوية ذات الطابع الجماهيري الوطني العام إلى جانب بعض المنظمات النسوية التي اتخذت في تشكيلها لوناً سياسياً أو حزبياً يعبر عن الانتماء لهذا الفصيل أو ذاك، ولكن العضوية في هذه المنظمات النسوية (السياسية والخيرية الاجتماعية) اقتصرت على أعداد محدودة من النساء، فرغم نشاطاتها الوطنية الملموسة، إلا أنها لم تأخذ بعداً جماهيرياً، ولم تتحول إلى حركات ذات طابع اجتماعي أفقي على صعيد المجتمع الفلسطيني أو القطاع النسائي في الضفة والقطاع ، كما اقتصر دورها عبر حشد النساء في الفعاليات والمناسبات الوطنية لهذا الفصيل أو ذاك. والمفارقة، أن الاحتلال، ساهم في إفساح المجال للمرأة الفلسطينية في الضفة الغربية في زيادة واتساع نشاطها السياسي والاجتماعي، بعد قرار الحاكم العسكري الإسرائيلي في 12/4/1976 بتعديل قانون الانتخابات الأردني لسنة 1955، حيث أعطى هذا القرار الحق لكل عربي يبلغ 21 سنة فما فوق، ومن ضمنهم النساء بالتصويت في الانتخابات البلدية، وقد كان هدف الاحتلال من إصدار هذا القرار، العمل على إيجاد قيادة للشعب الفلسطيني لفرض صيغة "الحكم الذاتي" بديلاً للقيادة الوطنية في م.ت.ف، ولا شك أن مشاركة المرأة في هذه الانتخابات ساهمت مع مشاركة الرجل في إفشال المخطط الصهيوني، حيث أدت الانتخابات إلى نجاح معظم قوائم القوى الوطنية المرشحة ، وكان لهذه العملية دورها في تزايد دور المرأة الفلسطينية ومشاركتها في العملية السياسية، التي أدت إلى اعتقال المئات منهن وتعرضهن لأحكام قاسية وطويلة،وفي أجواء المد الوطني التي خلفتها انتخابات البلديات عام 1976 .
ومع تزايد النشاط السياسي بتأثير العمل الطوعي الواسع في صفوف المرأة، تم الإعلان عن تشكيل "لجنة العمل النسائي" في الضفة الغربية في آذار 1978، التي ضمت في صفوفها المئات من الكوادر النسائية النشيطة من كافة الفصائل والانتماءات السياسية ولكن بصورة نخبوية أيضاً لم تستطع التعبير عن الحالة الوطنية العامة كحركة اجتماعية، وبعد أقل من عامين، سرعان ما أدت الخلافات والمواقف الفئوية إلى تفكك هذه اللجنة، وانتهى الأمر بتشكيل أطر نسوية جديدة مثل "لجنة المرأة العاملة" 1980، و"لجنة المرأة الفلسطينية" مارس 1981 و"لجنة المرأة للعمل الاجتماعي" حزيران 1982، تميزت برامجها بالجمع بين القضايا الوطنية السياسية والقضايا الاجتماعية التي تخص المرأة بالذات مثل تحرر المرأة ومساواتها بالرجل من حيث الأجور والعمل وغير ذلك من المسائل والنشاطات الاجتماعية كالعناية بأسر المعتقلين والزيارات التضامنية للمعتقلات، وإصدار الكتيبات والنشرات في مناسبة يوم المرأة والمناسبات الوطنية الأخرى.
على أي حال، ورغم تقديرنا لكل هذه النشاطات النسوية، وتعدد منظماتها، إلا أن هذه المنظمات والجمعيات التي ضمت في صفوفها في أحسن الأحوال إعداد "تتراوح بين 100 ـ 500 عضو"، وبالرغم من إقرارنا بدورها و بوجود قيادات نسائية من الكوادر المنظمة في الفصائل والأحزاب الوطنية كانت لهن أسبقية المبادرة والقيادة والدور وفي هذا السياق.إلا إن الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية لم يكن له دوراً هاماً أو ملموساً بصورة مميزة في الضفة أو القطاع في تلك المرحلة وما بعدها وإلى اليوم، وفي هذا الصدد فإن المبادرة إلى إجراء الانتخابات الديمقراطية في الاتحاد العام للمرأة وكافة الاتحادات والمنظمات والمجالس الشعبية والحكومية خطوة يجب أن تضغط جميع القوى باتجاه تحقيقها كضمانة وحيدة لتفعيل وتطوير هذه المؤسسات وأدائها لأدورها الوطنية والسياسية والاجتماعية.
- المرأة والانتفاضة 1987ـ1993:
ومع تفجر الانتفاضة الشعبية في ديسمبر 1987، واستمرارها حتى عام 1993، تطور دور المرأة الفلسطينية في سياق تطور واتساع المشاركة الجماهيرية الشعبية في كل مناطق الضفة والقطاع، بما دفع إلى تشكيل "المجلس النسوي الأعلى للأطر النسوية في م.ت.ف" لقيادة العمل النسائي، وفي هذه الأثناء برز دور المنظمات الأهلية، أو غير الحكومية، ولكن عبر تنسيقها شبه الكامل مع أحزاب وفصائل الحركة الوطنية آنذاك؛ حيث بدأت في الظهور بعض المنظمات النسوية غير الحكومية التي تعددت نشاطاتها وتميزت بتطويرها عن السابق في مجالات البحث والتدريب والتعبئة ونشر الوعي، رغم اختلاف كل منها في طريقة النشأة أو الأهداف أو أساليب العمل والاتصال والبرمجة أو المنهجية، وهي كلها عوامل ساهمت إيجابياً في تخريج العديد من الكوادر النسائية التي ظلت في معظمها مرتبطة في تلك المرحلة بالتزام معين بأحزاب وفصائل الحركة الوطنية.
بالمقابل كان لنشاط المرأة الفلسطينية الفقيرة في مخيمات وقرى الضفة والقطاع، دوراً بارزاً وملموساً بصورة يومية في مقاومة الاحتلال عبر الانتفاضة، فقد "قدمت المرأة الفلسطينية نسبة 7% من شهداء الأعوام 1987ـ1997 و2% من جرحى الانتفاضة ، وأكثر من 500 معتقلة فلسطينية في السجون الإسرائيلية طوال مرحلة الاحتلال والانتفاضة ، وقد تميز هذا الدور بطابعه العفوي غير المنظم في جمعيات أو منظمات غير حكومية أو أطر نسوية أخرى، فقط كانت الدوافع الوطنية لكل الجماهير الشعبية الصادقة للقضية الوطنية مدخلاً ووعاء عبر عن حالة التوحد الشعبي الداخلي والتفافه حول الشعار المركزي التوحيدي الناظم لكل الجماهير على قاعدة وحدة الأرض والشعب والمنظمة بكل فصائلها من أجل تقرير المصير وحق العودة والدولة.
ومع هبوط وتائر النضال الشعبي العفوي والمنظم، على أثر مؤتمر مدريد عام 1990، بدأت تتأسس ولأول مرة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية العديد من المنظمات النسوية غير الحكومية وغيرها من المنظمات العاملة في حقول أخرى، بعيداً عن الأحزاب والفصائل الوطنية ودون الرجوع إليها، خاصة مع تراجع وتفكك "المجلس النسوي الأعلى"، حيث انفردت المنظمات النسائية غير الحكومية في هذا الجانب، وتحولت بعد ذلك إلى مجموعات نخبوية ضيقة "لا تستهدف تنظيم النساء أو حتى بناء صلة مستمرة معهن، سوى نشر الوعي بين صفوفهن حسب الميزانية والخطة المقررة للمشروع .
- واقع المرأة في فلسطين بعد عام 1993:
بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وقيام السلطة الفلسطينية عام 1994، أصبحت المرحلة تشير إلي أنها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي ما كرس بدورة جدل كبير حول أيهم الأولي قضايا التحرر أم قضايا التنمية والمطالب الاجتماعية للإنسان الفلسطيني "رجل - امرأة" كون المرأة الفلسطينية خلال المراحل السابقة شاركت في مسيرة الكفاح الوطني، وأجلت بصورة طوعية أو إكراهية، نضالها من أجل حقها في المساواة مع الرجل، وقد انعكس هذا سلباً على الحركة النسوية التي وقعت في الارتباك ذاته، والحيرة بين برنامجين، برنامج العمل الوطني، والبرنامج الاجتماعي، فاستمر النقاش طويلاً، وربما، في أحيان كثيرة عقيماً أيضاً، حول أولويات العمل التي تطرحها طبيعة التغيرات. وان حسم هذا الجدل بشكل واقعي حيث ركزت المنظمات النسوية عملها علي القضايا المرأة الاجتماعية والمطلبية، فقد تزايد انتشار المنظمات غير الحكومية بصورة غير اعتيادية ما بعد قدوم السلطة الوطنية، بما يزيد عن ألفي منظمة، منها لا يقل عن نسبة 10% منظمات ترتبط شكلياً أو عملياً بقضايا المرأة دون اعتبار جدي للقضايا السياسية عموماً وللقضايا الطبقية الاجتماعية المتعلقة بالمرأة بشكل خاص ، وكأن هذه المسألة، أو البعد الطبقي الذي تفاقم خلال السبع سنوات الماضية، لم يعد له أي مكان على جدول أعمال المنظمات النسائية غير الحكومية، حيث يبدو أن الحديث عن "الجندر" أو النوع والقضايا الشكلية المشابهة له الأولوية على القضايا الطبقية والاجتماعية التي يمثل تناولها والتعرض لها وتغييرها أساساً موضوعياً لمواجهة وحل قضايا المرأة الأساسية: الفقر والتخلف والاضطهاد المجتمعي، وذلك لن يتم إلا في إطار الالتزام والانتماء السياسي الديمقراطي الكفيل وحده بتأطير الحركات الاجتماعية الجماهيرية النسوية وغيرها من أجل تحويل المجتمع الفلسطيني ونظامه السياسي بصورة ديمقراطية تكفل تغيير وإزالة كافة مظاهر التخلف والاضطهاد والفقر والتبعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة للمرأة وغيرها من المواطنين، ففي هذا الإطار المنظم وعبر العلاقة الديمقراطية العصرية المتجددة مع كافة المنظمات والجمعيات تكمن إمكانية تغيير كافة القوانين التي تميز بين المرأة والرجل أو تحط من قدر النساء أو تعرقل الدور الريادي للمرأة ومشاركتها الفعالة المتساوية في كافة القضايا والأنشطة السياسية والاجتماعية والقانونية والثقافية والانتخابات وغيرها، إلى جانب صياغة وإقرار القوانين التي تحول دون المس بكرامتها أو الإساءة إليها في الأسرة والمدرسة والشارع ومكان العمل أو أي مكان أو إطار اجتماعي آخر. فمن حق المرأة على الجميع من الفصائل وأحزاب القوى الوطنية الديمقراطية أن "تقف إلى جانبها بكل وعي والتزام، دفاعاً عن كل حقوقها في المساواة والحرية الشخصية والمدنية القانونية وغير ذلك من الحقوق، عبر إنهاء حالة الاغتراب للمرأة داخل أحزابنا الفلسطينية، وتعميق المفهوم والعلاقة القائمة على الاحترام العميق والحرص والتوازن الكامل والمساواة، إذ أن تطبيق هذه الممارسة في هذه الأطر، يشكل مدخلاً لتطوير العلاقة الإيجابية مع المرأة، الزوجة، والأخت والأم، بما يجسد الموقف الجدلي الصحيح في الجمع بين النظرية والممارسة من جهة، ويوفر سبل التوحد الوطني والاجتماعي الداخلي لمقاومة العدوانية الصهيونية الهمجية ضد شعبنا في نضاله الراهن عبر انتفاضة 28 أيلول 2000 من جهة أخرى.
وخلاصة القول: قد يتخيل للبعض أن الانجاز النوعي الذي حققته المرأة الفلسطينية من خلال مشاركتها المكثفة في الانتفاضة الاولى وبلورة خطاب يجمع بصورة جدلية بين النضال الوطني والاجتماعي النسوي، بأن هذا قد احدث تحول في نهج أصحاب القرار في السلطة الفلسطينية ومراكز القوة في المجتمع الفلسطيني بشكل عام بحيث أصبحت مسألة تحرر المرأة الفلسطينية وضمان حقوقها الإنسانية مسألة واردة على جدول الإعمال.والحقيقة المرّة هي انه كما أن التحرير الوطني لن يأتي من طيب نية الاحتلال وإنما كنتيجة لمقاومة مستمرة بكل الصور، فإن حرية المرأة الفلسطينية في مجتمعها تحتاج هي أيضا الى مقاومة مستمرة ومثابرة لأنها حق يؤخذ ولا يمنح. فالمساومة بين الأوساط القيادية التقليدية على حقوق المرأة الفلسطينية وبعض انجازاتها ما زالت تخضع لحسابات المسايرة والتصالح مع البنية التقليدية للمجتمع الفلسطيني بدل من النهوض ببرنامج سياسي اجتماعي تقدمي يقود الى مجتمع أفضل خال من جميع أنواع القمع والاضطهاد.
بلا شك أن تجنيد المرأة الفلسطينية للمقاومة والمفاخرة بالدور البطولي الذي تقوم به، ابتداءاً من مساهمتها في العمل الفدائي المسلح في لبنان، مروراً بدورها النوعي في الانتفاضة الاولى الى مشاركتها في العمليات الاستشهادية في الانتفاضة الحالية، كل هذا في حين نتجاهل البنية التقليدية في المجتمع الفلسطيني الذي يقمع المرأة ويميز ضدها بشكل بنيوي يدل على هشاشة الفكر التقليدي والنهج السائد في حركة التحرر الوطني. والحقيقة أن أهم العقبات التي مازالت تقف في طريق الحركة النسوية الفلسطينية رغم كل انجازاتها، ليس فقط البنية التقليدية في المجتمع الفلسطيني، بل والاهم من ذلك، حالة الانفصام في الموقف الذي يعاني منه الرجل العربي الفلسطيني "الثوري"، هذا الانفصام بين الموقف السياسي الراديكالي التقدمي من جهة، وبين الموقف الاجتماعي التقليدي الرجعي الذي لن يتردد في قمع المرأة ومصادرة حقوقها، وكل ذلك بحجة ان مشروع التحرر الوطني هو العامل الأول على سلم الأولويات من جهة أخرى.
وفي ضوء هذه الرؤية يصبح نضال المرأة الآن من أجل حقوقها الشخصية والاجتماعية والمدنية أمر مشروع وضروري، خاصة في ظل تقاعس السلطة الفلسطينية عن القيام بتغيير أو تخفيف معاناة المرأة في معظم جوانبها الحياتية والقانونية، بما يتطلب وضوح موقف كافة القوى السياسية في المطالبة بإلغاء كافة التشريعات والقوانين والأنظمة القديمة، مثل قانون حقوق العائلة لسنة 1954 المعمول به في قطاع غزة، وقانون الأحوال الشخصية الأردني لسنة 1976 المعمول به في الضفة الغربية. إن تأكيد التزام الجميع عموماً، والقوى الديمقراطية التقدمية خصوصاً، في سياق عملية النضال الوطني الديمقراطي، بالوقوف ضد كل المحاولات التي تهدف إلى خنق صوت المرأة الفلسطينية وحقها في التعبير عن رأيها ومطالبها القانونية المجتمعية العصرية الحديثة التي تتطلع إليها مسألة يجب أن تكون في سلم أولويات ومهام هذه القوى، لأن قضية المرأة في رأينا تتجاوز التفاصيل العامة ـ رغم أهميتها ـ المرتبطة بمواضيع الزواج الإكراهي المبكر أو الموقف ضد تعدد الزوجات أو التوريث أو الشهادة في المحاكم، فهي قضية وطنية ديمقراطية ترتبط بعملية التطور والنهوض، لنصف المجتمع، وبالتالي فإن الانتصار في هذه القضية سيشكل الخطوة الرئيسة عبر العمل المنظم المشترك بين الرجل والمرأة معاً، نحو تقدم مجتمعنا على طريق التطور الديمقراطي العقلاني الحديث عبر الانعتاق من كل مظاهر التخلف والتبعية والفقر والقهر والاستبداد.

المبحث الثاني
المرأة والتنمية

تتفاعل مجموعة محاور أساسية لتكوّن التنمية، بصفتها عملاً إنسانياً مركباً، حيث تتقاطع هذه المحاور وتتفاعل مع بعضها، فهي تتمثل في السياسة بالممارسات الديمقراطية والتعددية الحزبية، وتتمثل في الكفاية الاقتصادية من خلال إنتاجية العمل والسوق، والأهم من ذلك تتمثل في التماسك الاجتماعي وحقوق الإنسان والمرأة والقيم الثقافية، هذه المحاور الأساسية عبارة عن حزمة مترابطة متماسكة عضوياً، لا يمكن فصلها عن بعضها، خوفاً من الوقوع في خلل التباين والخلافات.. فهي تتفاعل مع بعضها بعضاً ضمن حيز جغرافي (ماض، حاضر، مستقبل) بشكل دائم، وبشكل ظاهر وبنتائج ملموسة، وشفافية واضحة، فإذا أهمل أحدهما اختل التوازن وظهرت نقاط الضعف، وانعكست نتائجه بشكل واضح ومؤثر على المجتمع ..
يتصل مفهوم المشاركة بمفهومي التنمية والتمكين اتصالا وثيقاً، فلقد أضحى من المسلم به أن تنمية حقيقية، يستحيل إنجازها على أي صعيد، دون مشاركة الناس بقطاعاتهم المختلفة، وفئاتهم وطبقاتهم وشرائحهم الاجتماعية، في صنعها من ناحية، وفي جني ثمارها من ناحية أخرى .
إن درجة المشاركة ونطاقها تحدد إلى درجة كبيرة توزيع القوة في المجتمع، بمعنى القدرة على إحداث تأثير في الآخر الذي قد يكون فرداً أو جماعة أو مجتمعاً بأكمله، إلى المدى الذي نستطيع أن نقول فيه أن المشاركة والتمكين هما وجهان لعملة واحدة. أي أن المشاركة لا تستهدف فقط تنمية المجتمع وصنع مستقبله بل تستهدف أيضاً تنمية الذات المشاركة وتطوير قدراتها وإمكاناتها ووجودها الفاعل والمؤثر في الحياة الاجتماعية على أصعدتها المختلفة . ومن هنا فإن درجة مشاركة النساء في الجوانب المختلفة للواقع الاجتماعي تقف كمؤشر أساسي على وضع المرأة ومشكلاتها، ومكانتها وقوتها وتمكنها في المجتمع.
ورغم حداثة مفهوم المشاركة النسائية، وارتباطه بتطورات حديثة في الحركة الاجتماعية بصورة عامة، والحركة النسائية بصفة خاصة، فان ثمة أشكالاً من المشاركة التقليدية للنساء، وبصفة خاصة في مجتمعنا الفلسطيني العربي لا ينبغي تجاهلها، بل إن أي دعوة لمشاركة المرأة الفلسطينية وخاصة في الواقع الذي تحياه المرأة الفلسطينية وهو واقع الاحتلال وإفرازاته مرهونة في نجاحها، في تصوراتنا، باستلهامها وارتباطها بأشكال المشاركة التقليدية المتجذرة في ثقافتنا، مع إفادتها في الوقت ذاته بالمدلولات الحديثة لمفهوم المشاركة.
فالمشاركة تكتسب إذن أهميتها ودلالتها بالنسبة للمرأة وقضاياها من حيث كونها آلية أساسية لتنمية الذات (المرأة ذاتها) وتنمية الموضوع (المجتمع والواقع الاجتماعي) وهما بعدان يرتبطان ارتباطاً جدلياً، فالذات أو الشخصية المتفتحة، القوية والمزدهرة والفاعلة هي القادرة على تحقيق النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما أن النمو الاجتماعي بدوره يمكن أن يقاس بمدى الفرص التي يتيحها لتحقيق مشاركة القطاعات المختلفة وتفتحها وازدهارها وفاعليتها .تشترط عملية المشاركة بصفة عامة على درجة معينة من القوة أو التمكين، إذ أن المشارك في الحياة اليومية هو فاعل لديه القدرة على الفعل والاختيار وتحقيق الأوضاع والأهداف التي يرغبها، ومن ثم فإن المشاركة الحقيقية تعني وتفترض درجة الفاعلية وشروط تحققها، وقدرة الإنسان (المرأة هنا) على تحقيق إدارتها وتطلعاتها على الصعيد الاجتماعي على أساس أن السعي نحو القوة عنصر كامن في الفعل الاجتماعي، وهو مصدر أساسي لمقاومة التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية الضاغطة.
ويرتبط مفهوم التمكين في التحليلات السيسيولوجية الحديثة بمفهومين آخرين؛ تحقيق الذات أو حضور الذات ، وهو المفهوم الذي يشير إلى الوعي والمعرفة والخبرة أو القابلية لامتلاك تلك العناصر الضرورية للمشاركة ومقاومة الضغوط الاجتماعية، إن المشاركة بهذا المعنى تسير إلى مدى القدرة على الفعل وصنع الظروف ومقاومة الضغوط وصولاً إلى تحقيق الذات وتحقيق القوة أو التمكن بإزاء الظروف ذاتها .
ونستطيع أن نقول في هذا الصدد إن المرأة العربية عامة والمرأة الفلسطينية بصفة خاصة ما تزال تستشعر الكثير من الضغوط المؤسسية الاجتماعية التي تعوق مشاركتها في صنع القرار، إن مفهوم التمكين هنا يشير إلى كل ما شأنه أن يطور مشاركة المرأة وينمي من قدرتها ووعيها ومعرفتها ومن ثم تحقيق ذاتها على مختلف الأصعدة المادية والسيكولوجية والاجتماعية والسياسية ويتيح لديها كافة القدرات والإمكانات التي تجعلها قادرة على السيطرة على ظروفها ووضعها ومن ثم الإسهام الحر والواعي في بناء المجتمع المدني الفلسطيني وعلى كافة أصعدته .
مؤشرات هامة حول المرأة الفلسطينية
1- السكان: يقدر مجموع سكان الضفة والقطاع كما في منتصف عام 2001، 3,98951 نسمة، 63.7% في الضفة (2,102360 نسمة) و36.3% في قطاع غزة (1,196591 نسمة). ويبلغ عدد الذكور من مجموع السكان 1,675867 نسمة، بنسبة 50.8% والإناث 1,623084 نسمة، بنسبة 49.2% أي بمعدل 102 ذكر لكل 100 أنثى .
2- مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية:
تبلغ نسبة الإناث غير النشيطات اقتصادياً من مجموع الإناث فتبلغ 90.5% (731531 أنثى غير نشيطة اقتصادياً)، في حين أن النشيطات اقتصادياً لا يتجاوزن نسبة 9.5% ما يعادل (76790 عاملة أي حوالي 10% من مجموع القوى العاملة) أما الذكور فقد بلغت نسبة النشيطين اقتصادياً 76.5% من إجمالي الذكور في القوة البشرية، أو ما يعادل (628340 عاملاً) في حين أن غير النشيطين من الذكور 23.5%، يتوزعون في الضفة والقطاع كما يلي:
الإناث الذكور
المنطقة
النشيطات غير النشيطات النشيطين غير النشيطين
11.2 88.8% 78.5% 21.5% الضفة الغربية
6.5 93.5% 73% 27% قطاع غزة
لذا تعد مشاركة المرأة ضعيفة مقارنة مع الرجل فنسبة الرجال في القوى العاملة بلغت 66,9% أما النساء فقد بلغت النسبة 13,5% وقد وصلت نسبة البطالة في صفوف النساء 20.1% أما الرجال فكانت النسبة 28.1% من مجموع الرجال العاملين ويعتبر قطاع الخدمات أكثر الأنشطة الاقتصادية فاعلية عند النساء حيث بلغت النسبة 50.2% أما قطاع الزراعة33.7% أما بما يتعلق بالأجرة اليومية فقد بلغت 64.3% أما الرجال بلغت 75.4%، بما يدل على غياب دور المرأة في عملية التنمية بالمعنى الاقتصادي وتحدثنا في سياق البحث أن ضعف تمكين المرأة اقتصادياً هو اعتبار المرأة تعمل بدون اجر سواء في البيت أو مع الأسرة وقد بلغت نسبة الانشغال بالأعمال المنزلية لسنة 2004 48.9% وبلغت نسبة الأسر التي ترأسها نساء 9% وهذه النسبة بازدياد نتيجة الوضع، وتظهر الإحصائيات إن معظم النساء خارج حساب الدخل القومي وخارج القوى العاملة وذلك لان العمل الذي تقوم به بدون اجر بمعنى إنها تساهم في الدخل القومي، فنقص فرص العمل، والعمل بدون أجر في المشروعات العائلية، وعدم احتساب عمل النساء في الزراعة والمنزل ضمن حسابات الدخل القومي، كل ذلك أدى إلى أن تكون نسبة مساهمة النساء في القوى العاملة من أخفض المستويات في العالم، بل وفي منطقة الشرق الأوسط التي تصل نسبة عمالة النساء فيها 25% من مجموع القوى العاملة، وهذا يوصلنا إلى استنتاج مفاده أن محدودية معايير مسوح القوى العاملة (خاصة فيما يتعلق بالنساء) لا يعكس حقيقة الحياة العملية لعمل النساء، كذلك فإن غياب المرأة عن القوى العاملة سببه إقصاء حقيقي للنساء".
إما بالنسبة لظروف العمل فإن أكثر من 25% من المرأة العاملة وهي الشريحة الأكثر فقراً، مضطرة للعمل بسبب استشهاد المعيل أو إعاقته أو أسره، وعدم توفر معيل آخر، كما تشكل العازبات نسبة غير قليلة من المرأة العاملة.
3- المرأة والعمل الحكومي :- تشترك المرأة في الوزارات والمؤسسات الحكومية، في السلطة الفلسطينية بنسبة لا تتجاوز 15%، وبالرغم من أهمية مشاركة المرأة وضرورة مساواتها مع الرجل، إلا أن هذه القضية ترتبط بمبدأ تكافؤ الفرص وقواعد الشهادات العلمية والخبرات المطلوبة، وهو مبدأ لم تعمل السلطة الفلسطينية على تطبيقه في عملية التعيين في الوظائف الحكومية، التي تمت على قاعدة التعامل مع "أهل الثقة" بعيداً عن أصحاب الكفاءة أو الخبرة، ولذلك فإن نسبة عالية من التعيينات في الوظائف المدنية بصورة خاصة، قد تزيد عن 50% تمت على قاعدة أهل الثقة من أبناء المسؤولين المدنيين والعسكريين والعلاقات الشخصية والمحسوبيات عدا عن تعيين عدد كبير من طلاب وطالبات الجامعات ـ في الأزهر خصوصاً ـ بدرجات وظيفية متفاوتة قبل تخرجهم.على أي حال، تظل مشاركة المرأة في الوظائف الحكومية ذات طابع هامشي، محدود، دون أي دور هام أو مميز من حيث التأثير، اقتصر على وظائف محدودة، مثل سكرتيرة تنفيذية، أو إدارية أو طابعة، إلى جانب قطاع التعليم، وهو القطاع الأكثر أهمية حيث يعمل فيه 40% من النساء العاملات في الحكومة، وفي رياض الأطفال فإن نسبة مشاركة المرأة تصل إلى 99.9%.
4- المرأة والعمل النقابي :- نسبة الإناث من "مجمل أعضاء الاتحاد العام للنقابات حتى عام 1997، هي فقط 7.64% من المجموع الكلي البالغ 63054 منهم 58236 ذكور و 4818 إناث" مما يدلل على شدة ضعف دورها في البنية القيادية والقاعدية للحركة النقابية. .يذكر هنا أنه تم استحداث دائرة شؤون المرأة العاملة في الاتحاد العام لنقابات فلسطين لتعنى بقضايا وهموم المرأة العاملة، وتطوير مشاركتها في الحركة النقابية من خلال رفع كفاءتها ومهارتها، من أجل تأهيلها للمشاركة في قيادة الحركة النقابية، وتعد هذه خطوة إيجابية إذا تم تحقيق الهدف المنشود منها، وابتعدت عن مجمل سلبيات الحركة النقابية، وركزت جهدها من أجل دفع مشاركة النساء في النقابات، وتحقيق وضعية أفضل لديهن تمكنهن في وضع السياسات النقابية بحيث لا تغفل حقوق النساء العاملات ولا تستبعد وجودهن كفاعلات ومشاركات حقيقيات.
5- المرأة والنشاط التعليمي:
إن استعراض أوضاع النساء العاملات في النشاط التعليمي بمختلف مجالات ومؤسسات يبين أن أعداد المعلمين أعلى من أعداد المعلمات في مختلف المؤسسات، باستثناء رياض الأطفال، رغم أن التعليم من المهن التي تقبل عليها المرأة، حيث تبلغ نسبة الإناث العاملات في المدارس تبلغ 47.3%، والعاملات في الجامعات 23.2% وفي كليات المجتمع 22.3% وفي رياض الأطفال 99.9%.كما يلاحظ أن عدد المعلمين الحاصلين على شهادات جامعية أعلى بكثير من المعلمات، وتتراجع نسبة الإناث بصورة أكبر مع ارتفاع درجة المؤهل العلمي مثل الماجستير والدكتوراه (أقل من 7%)، كما نلاحظ أن العدد الأكبر من النساء العاملات في المؤسسات التربوية متخصصات في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، صحيح أن هذا المجال هو الأقرب إلى وضع المرأة ودورها ـ في حدود واقعها الراهن حتى الآن ـ في مجتمعنا، إلا أن هناك أسباباً ومعوقات تحول دون تخصص المرأة في المجالات العملية والعلمية الأخرى، وترتبط بالأسرة، أو النظرة لدور المرأة، لكنها في التحليل الأخير مرتبطة بحالة تطور المجتمع وتخلفه الرهن كمعوق رئيس يحول دون حرية المرأة في اختيار مسارها العلمي والعملي في آن معاً.
إما بالنسبة لمشاركة المرأة في الدورات المنعقدة في مراكز التدريب المهني، نلاحظ ارتفاع حجم هذه المشاركة في دورات الخياطة بنسبة 92% من مجموع الذكور والإناث البالغ 320 طالباً وطالبة، وبنسبة 90% في دورات السكرتاريا والحاسوب من المجموع البالغ 253 طالباً وطالبة، وحوالي 90% لمهنة تصفيف الشعر من أصل 103 طالباً وطالبة، تهبط هذه المشاركة إلى 30% في مهنة الرسم المعماري، ولا توجد أي مشاركة في كافة المهن الأخرى في دورات مراكز التدريب، مثل البلاط والحدادة والنجارة والميكانيك والأدوات الصحية والتمديدات الكهربية والراديو والتلفزيون وصيانة الأجهزة المكتبية والمدراء المهنيين... إلخ .
وتجدر الإشارة إلى تدني قدرة النساء في استخدام شبكة المعلومات فقد بلغ مجموع مستخدمي الإنترنت في كل الدول العربية وإيران وصل إلى 4.9 ملايين مستخدم عام 2002. ويعتبر هذا الرقم أقل بكثير من نسبة 1% من مجموع مستخدمي الإنترنت في العالم كله والذي يصل إلى 600 مليون مستخدم.
وتبلغ نسبة النساء العربيات من بين مجموع المستخدمين من العرب 6%, وتتضح هشاشة هذه النسبة أكثر لدى مقارنتها بدول مثل الصين التي تصل 37% وأميركا اللاتينية التي تصل 38% وأوروبا التي تبلغ 25% واليابان التي تصل إلى 18% .
6- الواقع الاجتماعي للمرأة:
تشير نتائج الإحصاءات التي قام بها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بأن 37.8% من إجمالي عدد الإناث 12 سنة فاكثر لم يتزوجوا أبدا وهي نسبة منخفضة مقارنة مع نسبة الذكور التي بلغت 47.1% وهذا راجع إلى عادة الزواج المبكر في المجتمع الفلسطيني خصوصا لدى الإناث ولذلك نجد هذه النسبة لدى المتزوجون إذ بلغت نسبة الإناث 54.3% مقابل 50.2% عند الذكور.

إن عادة الزواج المبكر تعمل على زيادة معدلات الطلاق إذ تزيد هذه المعدلات عند الإناث لتصل إلى 1.4% مقابل 0.2% عند الذكور ، وترتفع هذه النسبة عند فئات السن 15-19 سنة لتصل إلى 29.4% ثم فئات السن 20-24 لتصل إلى 28.3% وتتناقص هذه النسبة كلما اتجهنا إلى فئات السن، ومن جهة أخرى فإن نسبة الأرامل لدى الإناث ترتفع كثيرا عنها عند الذكور إذ بلغت 6.7% مقابل 0.7% عند الذكور.


المبحث الثالث
المرأة والمشاركة السياسية

يختلف المجتمع الفلسطيني في كثير عن المجتمعات العربية الأخرى من حيث الموروث الثقافي والبنية الاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن رؤية وضع المرأة الفلسطينية ومدى مشاركتها في الحياة السياسية والعامة وفي مواقع صنع القرار وتقلد المناصب العامة إلا من خلال الغوص عميقا في الظروف المجتمعية التي تحيط بها.وإذا كان الشعب الفلسطيني جزأ لا يتجزأ من محيطه العربي فهذا لا ينفي عنه بعض الخصوصية ، إذ لا يمكن مقارنة وضع مجتمع يعيش حالة من الاستقرار، ولو بالمعنى النسبي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمجتمع لا يزال يرزح تحت الاحتلال، ولم تتحدد معالمه بصورتها الكاملة بعد، فقد عانت المرأة الفلسطينية من اضطهاد مزدوج، قومي بسبب الاحتلال الإسرائيلي وكونها تشكل نصف المجتمع الفلسطيني (49.5%)، وجنسي، أي قائم على التمييز بين الجنسين. ولكن هذا لم يمنعها من أن تكون جزأ حيوياً من الحركة الوطنية الفلسطينية. بل إنها استغلت العملية النضالية ضد الاحتلال من أجل تحسين مواقعها، فأسست جمعياتها ومؤسساتها الخاصة منذ عشرينات القرن الماضي. ولعل الانطلاقة الحقيقية في مستوى مشاركة المرأة في الحياة السياسية حصلت بعد تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية في 1964، والذي أعقبه تشكيل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، حظيت المرأة الفلسطينية ب كوتا في المجلس الوطني تراوحت بين 2% في 1964 إلى 7.5% في آخر دورة للمجلس عقدها في غزة في 1996، وساهمت المرأة الفلسطينية بفعالية في الانتفاضة، ولعبت دوراً مهماً في النشاطات والفعاليات الانتفاضية، وبخاصة في السنوات الأولى للانتفاضة. غير إن السنوات الأخيرة التي سبقت التوقيع على اتفاق أوسلو شهدت تراجعاً في وضع المرأة، خصوصا بعد أن قويت التنظيمات التقليدية التي وقفت بقوة في وجه الثقافة الاجتماعية الديمقراطية والتحررية،، وهنا نحاول تفسير و فهم الواقع المعقد الذي يمنع الاعتراف بدور المرأة الفلسطينية في التنمية والمشاركة السياسية والمجتمعية، كون المرأة الفلسطينية موجودة فيما يمكن اعتباره "تنمية" للمجتمع الفلسطيني،إن الإشكالية الكبرى تكمن في عدم تفعيل مشاركة المرأة و الاعتراف بدورها وفهمه بطريقة تختلف عن الفهم التقليدي السائد.
ماهية المشاركة: لابد من التأكيد بان المشاركة حق من حقوق المرأة والإنسان فالمواثيق الدولية والقوانين المحلية كلفت حقوق المرأة "حق النساء في المساواة، واختيار الزوج، وحماية حقوق الأمومة، وتعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية التي تكرس الدونية، ومكافحة استغلال المرأة، وحق المشاركة المتساوية في الانتخابات والاستفتاءات وفي صياغة سياسة الحكومة، وبالمشاركة في جميع المنظمات والجمعيات غير الحكومية، وتمثيل حكومتها على المستوى الدولي، وحقها في اكتساب الجنسية والاحتفاظ بها، والمساواة في مجالات التعليم والعمل والصحة والدين والقانون وغيره. المشاركة في أبسط تعريفاتها: شرط من شروط النمو والتطور السليمين، إنها، في آن واحد، وسيلة جوهرية في التعبير عن التواصل والتطور، المفترض أن يتكاملا في حياة الإنسان.
أثر المشاركة:
1- في النساء :توفر المشاركة فرصة للإنسان للتعبير عن مشاعره وحاجاته، وفهمها( من شان ذلك أن يساعد على الالتفات أيضاً إلى مشاعر الآخرين وحاجاتهم، وفهمها).تساعد المشاركة النساء على تطوير مهارات كالتخطيط والتقييم والاتصال والنقاش والمفاوضة والتوصل إلى حل وسط وصناعة القرار، وكذلك خلق التوازن بين احتياجاتهم واحتياجات الآخرين.حين تؤخذ آراء النساء ومشاعرهم وقدراتهم بجدية، وتعامل باحترام، تزداد ثقتهم واعتزازهم بأنفسهم يكتسب الإنسان عبر المشاركة معلومات متنوعة عن حياته وبيئته القريبة.
3- في الأسرة:توثيق العلاقات وزيادة التعاون داخل الأسرة، وبينها وبين المجتمع المحلي بما يكفل تعامل أفضل مع الفروق بين أفراد الأسرة، بخاصة الفروق التي أساسها الاجتماعي( النوع - الجندر ذكر أو أنثي.
3- في المجتمع :تساهم مشاركة النساء في: إعادة النظر في قيم اجتماعية وثقافية تتعلق بالمرأة وتطويرها باتجاه احترامها واحترام حقوقها ودورها، ورؤيتها، وتكفل لها وسائل تعبير مختلفة. فخبرة الإناث المبكرة في صناعة القرار كفيلة بإكسابهم مهارات ومعرفة يوظفونها مستقبلاً في نشاطهم كمواطنين قادرين ومسئولين في مجتمع ديمقراطي.
4- في البرنامج:مشاركة النساء تنمى حسهم بأنهم " يملكون" بيئتهم ونشاطاتهم، والقوانين التي وضعوها لأنفسهم والمسئولية عنها. لذا فهم يتحمسون عادة لتطوير نشاطاتهم والمحافظة على استدامتها.
إن البرامج التي تشارك بها النساء مشاركة فعالة هي أقرب ما تكون للتعبير عن احتياجاتهم، وهي أكثر قدرة من غيرها على التكيف مع حاجاتهم المتغيرة، والمشاركة بهذا المعني تعني نوع من الكفاءة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية تكتسب وتنمي من خلال الممارسة فهي عملية شاملة ومتواصلة يمثل الناس جوهر اهتمامها ولب غاياتها، كما أنها تنطلق من وتعتمد على الإقرار بحقوق الإنسان.
- واقع مشاركة المرأة الفلسطينية:
إن واقع المرأة وعلاقات النوع الاجتماعي ليست علاقات جامدة على الإطلاق، فهي تتأثر بمجمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، ويعاد تشكيلها وتعريفها بناء على ظروف المجتمع في مرحلة تاريخية ما. كما قد تؤدي الحروب والثورات والكوارث الطبيعية إلى تغيرات جوهرية حول المفاهيم السائدة "ما يصلح لان تمارسه النساء وما يصلح لأن يمارسه الرجال" من أعمال ومهمات داخل البيت وخارجه، وتساهم في تغيير الأنماط التقليدية من العلاقات، وتساهم في تفعيل وصول النساء لمراكز صنع القرار والمساهمة في التنمية . يعد الواقع الفلسطيني معقدا في هذا المجال، باعتبار تدخل جملة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية تحد من أدوار المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية بداء من المجتمع الأبوي التقليدي الذي نعيش وانتهاء بأزمة الديمقراطية وغيابها وتراجع ممارساتها في الحياة السياسية والاجتماعية. كما وساهمت ممارسات الاحتلال سابقا وفي السنوات الأربع الأخيرة في تكثيف الشعور بالحصار والعزلة، وفي ارتفاع نسب الفقر في المجتمع الفلسطيني إلى معدلات لم يسبق لها مثيل. وأثر الفقر تأثيراً كبيراً على شتى مجالات الحياة اليومية، وبسبب مجمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية يزداد دور العائلة الممتدة وتأثيرها على علاقات النوع الاجتماعي بدءً أيضاً من جنس الجنين، ومروراً بطرق تربية الأطفال، وانتهاء بقرار الزواج، وقرار الإنجاب وعدد الأطفال، وغير ذلك من القضايا التي تؤثر تأثيراً مباشراً على حياة النساء والرجال على حد سواء.
- مشاركة المرأة في الحياة السياسية العامة: هناك ضعف كبير في مشاركة المرأة في الحياة السياسية وفي مراكز صنع القرار إذ أن هناك وزيرة واحدة من بين 25 في مجلس وزراء السلطة، كما يوجد 25 امرأة برتبة مدير عام من أصل 340 مدير عام حتى منتصف عام 2001، "وجميعهن في وزارات الشؤون الاجتماعية والتعليم والصحة وهي وزارات خدماتية عموماً، أقرب للدور الإنجابي التقليدي للمرأة كأم وربة وبيت، إذ لا توجد أي امرأة في منصب مدير عام في وزارات الصناعة والزراعة"، كذلك الأمر بالنسبة للمجلس التشريعي المنتخب، فبالرغم من أن قانون الانتخاب الفلسطيني أعطى المرأة الحق في الترشيح والانتخاب، فلا يوجد في المجلس التشريعي سوى خمس نساء من أصل 88 نائباً، وهو انعكاس لعدد المرشحات في انتخابات المجلس اللواتي بلغن 28 مرشحة من مجموع 674 مرشحاً أي بنسبة 4.1%، في الانتخابات الأولي .
إما الانتخابات الثانية ونظرا لإقرار قانون انتخابات اعتمد علي النظام المختلط " دوائر –نسبي " ومنحت المرأة كوتا في نطاق النظام النسبي فقط ولم تمنح في نظام الدوائر حيث وبرغم وجود مرشحات علي الدوائر لم تفز ولا امرأة ، حيث تقول أسمى خضر في مقالتها "انعكاسات قانون الانتخاب على مشاركة المرأة في العملية الديمقراطية": "اتسمت مشاركة المرأة في الحياة السياسية بالضعف، سواء من خلال الأحزاب الموجودة أو في الدور الذي تلعبه في مجال صنع القرار وصياغة المجال المدني العام. فالمرأة أقلية بمختلف المعايير الإحصائية والموضوعية، ويمكننا القول أيضاً أن المرأة أقلية سياسية ويوجد فارق تاريخي بينها وبين الرجل مما يدفعنا إلى أن نميل إلى التمييز الإيجابي لصالحها". فقد دخلت للمجلس التشريعي مرشحات الأحزاب حسب الكوتا التي اشترطها القانون، فبلغ نسبة النساء في المجلس التشريعي الثاني 17 امرأة من أصل 132 عضو.
- مشاركة المرأة في المجال السياسي الحزبي : من الملاحظ في فلسطين عدم وجود أي فاعلية مركزية أو قيادية أولى لأي امرأة في أحزابنا السياسية، فلا يوجد أي أمينة عامة لأي حزب سياسي، ولا تتمتع النساء عموماً بمناصب قيادية ضمن الصف القيادي الأول، حيث تشير البيانات إلى وجود علاقة عكسية بين نسبة النساء وبين مستوى السلطة، فعدد النساء يتناقص في المراكز العليا في الأحزاب ، فمثلاً تشكل النساء 5% من أعضاء اللجنة المركزية لـ"فتح" مقابل 4% من الأعضاء في اللجنة الحركية العليا، وفي الجبهة الشعبية تمثل 10% من اللجنة المركزية العامة، وفي المكتب التنفيذي لفدا تمثل النساء 30%، فيما يبلغ تمثيلها 19% من اللجنة المركزية للحزب نفسه، وهي أعلى نسبة لمشاركة النساء في الأحزاب، رغم أن فدا يعد حزباً صغيراً مقارنة مع الأحزاب الأخرى. فيما ترتفع نسبة مشاركة النساء في هيكلية الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في الضفة الغربية عنها في غزة، فبلغت نسبة النساء في القيادة المركزية في الضفة الغربية 18% بينما كان نصيب قطاع غزة 13%، وفي اللجنة المركزية العامة بلغ في الضفة 19.5% بينما بلغ 16.5% في غزة، ورغم أن تمثيل النساء في اللجان المركزية التي تعد أهم هيئة لاتخاذ القرار في الحزب، أعلى لدى الأحزاب اليسارية إلا أنها بقيت نسبة ضئيلة بالمقارنة مع النسبة الكلية فضلاً عن أن وجود النساء في مثل هذه اللجان لم يؤد إلى فرض سياسات وبرامج حزبية تتبنى أجنده نسوية تتوازى مع أجنده العمل الوطني، وبقيت النساء تتبنى المشروع الوطني الذي ظل يستأثر بأولوية نشاطهن.
- مشاركة المرأة في المنظمات الغير حكومية :
من المسلم به أن دور المرأة ومشاركتها في التنظيمات الأهلية لا ينفصل عن وضعها في المجتمع بصورة عامة فمن الصعب أن تتطور أدوار المرأة وتتحرر وتصبح شريكاً كاملاً في المجتمع، إلا إذا سمحت مرحلة تطور البني الاجتماعية والسياسية في هذا المجتمع بذلك وهي بدورها تتأثر في تطورها بدرجة تحرر المرأة وتفاعلها مع حركة المجتمع .
ويتمثل النشاط الأهلي للنساء في أنماط متعددة من أقدمها وأكثرها شيوعاً الجمعيات الخيرية النسائية، وهي الجمعيات التي ترتبط بالفلسفة التقليدية للبر والإحسان وتحاول بالتالي ترميم وإصلاح العيوب ومعالجة المشكلات من موقف إصلاحي هي أكثر أصناف الجمعيات رواجاً وعراقةً. هي تارة جمعيات خيرية "مختلطة" تساهم فيها نساء، وتارةً أخرى جمعيات خيرية نسائية صرفة لا تعمل فيها إلا نساء. ليس لدينا طوبوغرافية تفصيلية عن عمل هذه الجمعيات في أرجاء الوطن كافة، لا يمكننا الزعم بأن هذا النمط من النشاط رغم فضيلته في الإحسان، يعبر عن أزمة تنمية أكثر مما يحاول المساهمة في حل بعض معضلاتها، وحاجتنا في ذلك أنه يحاور النتائج – العوز- غير طارح وسائل الوقاية منه . فضلاً عن ذلك، هنالك ظاهرة لم نتأكد من درجة تعميمها لكنها جديرة بالالتفات: هي ظاهرة الجمعيات النسائية الخيرية التي تحاول وراء الستار المساعدة والتقديمات المختلفة أن تثبت أيديولوجياً (وأحيانا أفكاراً سياسية معينة) هي غير ما تعلنه على الملأ. وهناك جمعيات واتحادات نسائية مرتبطة بأحزاب في السلطة أو خارجها، فأن كانت هذه الأحزاب خارج السلطة، فأنها قد ترتبط بالحركة الوطنية وتربط نظرتها للمرأة بموقفها الأيديولوجي، أما تلك المنظمات التابعة لأحزاب في السلطة فهي تتحرك في إطار الحزب وتتسم بدرجة عالية من البيروقراطية .وتشير البيانات والإحصاءات المتوافرة على صعيد المجتمع الفلسطينى إلى ضعف المشاركة النسائية بصورة عامة في التنظيمات والجمعيات الأهلية، فضلاً عن ضعفها في العمل النقابي، وتواجد المرأة أساساً على المستويات القاعدية دون القيادية، وبالتالي إبتعادها عن مواقع صنع القرار إلا ما نذر. ويذكر هنا أن حوالي 23% من الموظفين الإداريين في الجمعيات الخيرية في الضفة الغربية وقطاع غزة من النساء، فيما تشير دراسة مولها برنامج الأمم المتحدة للتنمية عن المنظمات النسائية أنه في عام 1993 كان يوجد حوالي 174 منظمة في الأراضي المحتلة، منها 34 منظمة فقط في قطاع غزة، وهنا لا يمكن إغفال الدور واسع النطاق الذي لعبته هذه المؤسسات في خدمة قضايا النساء، وتقديم العون لهن خاصة في غياب العائل، .
كما تأتي هذه المشاركة في هذه التنظيمات من فئات وطبقات اجتماعية معينة ممن يملكن الوقت والمال وكذلك من فئات عمرية متأخرة نسبياً بعد سن الأربعين غالباً، حتى لا يكون هناك أطفال في حاجة إلى الرعاية، كما تتسم هذه التنظيمات في الغالب بالطابع المدنى فتستوعب نساء المدن، مما يعني تهميش قطاعات ومناطق وأجيال وطبقات اجتماعية عن المشاركة في العمل الأهلي النسائي وخاصة مشاركة المرأة الفلسطينية في المخيمات الفلسطينية سواء على مستوى الضفة الغربية أو على مستوى قطاع غزة ، مما يؤدي ذلك حتماً إلى صياغة مضمون النشاط الأهلي في إطار أنساق فكرية وثقافية وقيمية لا تمثل الغالبية العظمى من النساء الفلسطينيات.
بما يؤكد "أن هذه المنظمات غير الحكومية النسوية لا تستهدف تنظيم النساء، وهياكلها غير مهيأة لذلك، فهذا الشكل من التنظيم يتيح فرصاً أقل للنساء مما كانت تتيحه الجمعيات الخيرية القديمة، فتلك الجمعيات على الأقل لها جمعية عمومية تضم أحياناً عدداً كبيراً من النساء وإن كن يجتمعن مرة كل عام، أما المنظمات غير الحكومية، فتعتمد بالأساس على رأس أساسي يدير المنظمة ومجموعة موظفات كفؤات ومجلس أمناء محدود العدد لرسم السياسات، ويخشى أن يحول هذا الشكل من تنظيم العلاقة مع القاعدة النسائية مرة أخرى إلى علاقة Patron-Client خاصة في ظل غياب علاقة مستمرة بين المنظمة وبين المجموعات المستهدفة".
- أسباب ضعف المشاركة السياسية للمرأة :
ساهمت مجموعة من المظاهر والأسباب إلى حد كبير في التأثير على دور المرأة الفلسطينية ومشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية نورد أهمها :
1. ممارسات الاحتلال القمعية، وتقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية بهذه الطريقة البشعة يثير تساؤلاً عن مدى استعداد النساء للخروج من بيوتهن ومن مجتمعاتهن المحلية، والمشاركة في الحياة العامة وفي الأنشطة السياسية المتعلقة بمصيرهن.
2. حالة الإفقار الشديد والبطالة التي يتعرض لها المجتمع الفلسطيني ساهمت بشكل كبير في تغيير علاقات النوع الاجتماعي، وظهرت مهن جديدة لم تكن مقبولة اجتماعيا للنساء، إلا أن الحاجة المادية زادت من هذه الأنماط،"انتشار أعمال الخدمة في البيوت، أو تجار البسطات بين النساء، أو المساهمة التقديرية للاقتصاد المنزلي في الحفاظ على صمود المجتمع ومواجهته للوضع الراهن. هذه الأعباء جميعها تتحملها النساء وتكرس من دور تقليدي للمرأة يحصرها في إطار الدور الإنجابي ويبعدها عن إمكانات المشاركة في الحياة السياسية.
3. أدت أحداث الانتفاضة الثانية إلى عودة جميع المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني إلى برامج المساعدات الطارئة ذات الطابع الإغاثي، وعلى الرغم من أهمية هذه البرامج في التخفيف من المعاناة الإنسانية الشديدة إلا أن النساء هن الأكثر تضرراً بسبب خروج المؤسسات عن برامجها التنموية المحددة، والتي كانت تتضمن اهتماماً خاصاً بحقوق النساء وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية. البرامج الإغاثية تبقي الوضع على ما هو عليه ولا تتيح المجال أمام أي تغيير في الواقع التقليدي لأدوار النوع الاجتماعي، وتحديداً في مشاركة المرأة السياسية.
4. يلاحظ في المجتمع الفلسطيني زيادة في معدلات الإنجاب مع ما يتركه هذا الأمر من آثار على دور المرأة المجتمعي والسياسي، ستترك آثاراً على أجيال قادمة وتجعل من المشاركة الجماعية الفاعلة للنساء أمراً صعباً؛ نهيكم عن أسباب متعددة أخري سبق وان أوردناه في سياق الدراسة السابق.



الخاتمة :

تعد حقوق المرأة العربية الفلسطينية حقوق استبد بها المجتمع الذكوري المستقر على استبعادها، وان كان ثمة أمل كبير في أن يسهم خروج المرأة العربية إلى العمل ودخولها الحياة العامة ليس فقط في دفن تاريخ الاستعباد الذكوري للمرأة ومجاهرته بإنجاز نسوي حقيقي واستقلال مادي له في الدين الإسلامي مرجعية راسخة، بل أيضا إلى مجاهرة جديدة فيها من البراءة بقدر ما فيها من الحصافة والرؤيا الحداثية للحياة العامة ضد بقية أنواع الاستعباد التي يعانيها المجتمع، لعل من أهم المعوقات التي تحول دون استيعاب قضية الحقوق وجدانيا أمران يجيء أولهما من خارج الثقافة العربية، ويجيء ثانيهما من داخلها، الأول هو المثال السيئ الذي قدمته الدول الديمقراطية الغربية في موقفها من حقوق الإنسان خارج حدودها، أي في العالم الثالث ولا سيما في الوطن العربي والإسلامي. والثاني هو سطوة الأعراف الموروثة على تصرف الفرد متذرعة بالدين. فقد أعطت الدول الغربية المثال الأسوأ لقدرة لا تضاهى على امتهان حقوق الإنسان خارج وطنها والإنسان في الوطن العربي بخاصة، فالتحيز الرسمي السافر عند بعض الدول الغربية -وعلى رأسها أميركا وبريطانيا- لأبشع أنواع العدوان والفتك المبرمج على أيدي إسرائيل "الديمقراطية" لكرامة الإنسان وحقه في الحياة والتملك والأمن في فلسطين وسواها من الدول العربية المجاورة لفلسطين هو نقطة عار سيخجل منها حفدة أبناء هذه الدول في المستقبل.وكان لكثير من التقاليد الموروثة ونسبتها إلى الإسلام أثر سلبي في اتجاه استيعاب قضية حقوق الإنسان، وهذا يضع مسؤولية كبرى على علماء الدين الإسلامي ورجاله لتقديم رؤى تستلهم الإسلام وتستوعب الحداثة وتدافع عن الحريات وترسخها.فليس في الكون متدين متمسك بشعائر الدين يجرؤ على القول إن الإسلام ليس دينا قادرا على استيعاب تطورات الإنسان عبر العصور وتوجيهها لتظل على الطريق الأمين.
فهناك ضرورة لاعتماد مبدأ أن حقوق المرأة هي حقوق إنسان لدى وضع القوانين والتشريعات او تعديلها والنظر الى هذه الحقوق ككل سواء في الحقوق الفردية أو الجماعية المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضع التشريعات الفلسطينية الخاصة بحماية حقوق المرأة وتعديل القائم منها القائمة على أساس معاهدة القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ،ضمان استقلال سلطة القضاء لتعزيز أسس المجتمع المدني الديمقراطي على قاعدة مبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة: التنفيذية والتشريعية والقضائية ،ضمان الوعي المجتمعي القانوني لمختلف الوسائل وخاصة اعتبار حقوق المرأة هي حقوق إنسان.
كما إن هناك ضرورة للاعتراف بالدور الأساسي الذي تقوم به النساء بحيث يتجاوز دورهن التقليدي والنمطي، وأن يتحول إلى إنجازات على المستوى الشعبي المجتمعي والسياسي، وأن يترجم من خلال قوانين وسياسيات، ومن خلال دور سياسي في تحديد معالم المرحلة القادمة. يتطلب فهم دور النساء في تنمية المجتمع الفلسطيني تعريفاً مختلفاً لمشاركة المرأة يحدد شكل التدخل التنموي المطلوب، وأهم ما فيه الاعتراف بدور النساء الفلسطينيات وتقدير دورهن بمؤشرات ذات دلالات نوعية تساهم في ترجمة هذا الدور إلى إنجازات سياسية واجتماعية وهذا يقتضي ضمان حق الترشيح والانتخاب للمرأة وحقها في المشاركة في تقلد الوظائف العامة والمشاركة في المستويات القيادية بالأحزاب والمؤسسات المجتمعية.

وختاما مطلوب من جميع المعنيين بقضايا المرأة في المجتمع الفلسطيني والعربي تكثيف جهودهم لتفعيل المشاركة الحقيقية للنساء بالمعني السياسي والاقتصادي والمجتمعي والتخلي عن العمل النخبوي والانطلاق نحو عمل جماهيري شعبي تشارك به كافة القطاعات المعنية لضمان احترام المرأة وحقوقها.

المراجع:-
1. حنان عشراوي، المرأة والعدالة الاجتماعية نحو تقوية المرأة الفلسطينية، مؤسسة الحق، 1995.
2. غازي الصوراني ،المرأة الفلسطينية ودورها في التاريخ المعاصر، الحوار المتمدن، http://www.rezgar.com
3. تيسير محيسن ،المرأة والتنمية، شئون المرأة، مجموع أوراق عمل، غزة 2000.
4. صلاح عبد العاطي، المرأة والقانون، دراسة منشورة ، الحوار المتمدن.
5. ليما شفيق، حول نضال المرأة في المناطق المحتلة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، مجلة المرأة العربية، العدد 2، سنة 1985، ص 114.
6. إصلاح جاد، الحركة النسوية الفلسطينية، مواطن، رام الله، 2000، ص 70-79.
7. أكرم عطا لله، المشاركة السياسية للمرأة من خلال الاتحادات والنقابات، مجلة تسامح، العدد الخامس حزيران 2004،ص93-1003.
8. كتيب تعريف بالاتحاد ،الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ص2-4.
9. أوراق عمل ضمن كتيب تدريب، الطالبات الجامعيات إطلالة واعدة علي المستقبل، مركز شئون المرأة ، 2004.
10. رياض العيلة، التطور التاريخي للمرأة الفلسطينية في المجال السياسي، كتيب المشاركة السياسية للمرأة العربية، 2006. ص2 – 8.
11. صلاح عبد العاطي ، الحكم المحلي في فلسطين، مركز الميزان لحقوق الإنسان، 2005.
12. برنامج الأمم المتحدة للتنمية، تحديات وخيارات المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، القاهرة، دار المرأة العربية للنشر.
13. طلال عوكل المرأة والحزب السياسي، مجلة تسامح، العدد الخامس، حزيران 2004.
14. دائرة الاحصاء المركزية الفلسطينية، إحصاءات المرأة والرجل، غزة 1998.
15. تقرير المرأة والرجل في فلسطين، المجد للصحافة، صوت النساء، العدد 76، 15/7/1999.
16. ريما نزال، الحركة النسائية الفلسطينية: الأزمة هل هي قدر، مجلة رؤية أخرى، عدد نيسان 99، ص 19، حتى 21.
17. دنيا الأمل إسماعيل ، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، 2001، العدد الخامس ص 80-100
18. نادر سعيد، ادوار النوع الاجتماعي، مفاهيم في الديمقراطية والجندر والتربية ، مركز إبداع المعلم، 1999.
19. نادر سعيد، التنمية البشرية في فلسطين مساهمات أولية في النقاش الدائر، برنامج دراسات التنمية ، جامعة بيرزيت، 1998،ص9-12
20. هديل رزق، المرأة الفلسطينية والتنمية، برنامج دراسات التنمية، جامعة بيرزيت، 1999.
21. كتيب فلسطين للإحصاء رقم 2، دائرة الإحصاء المركزية الفلسطينية، 1999، ص 13-15.
22. سمر هواش، دراسة بعنوان المرأة في العمل النقابي، كتاب إشكاليات العمل النقابي في فلسطين، مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، رام الله، 1999.
23. زينب الغنيمي، المرأة والعمل، مركز شئون المرأة، مجموع أوراق عمل، غزة 2000، ص 17-21.
24. المرأة والعمل والتعليم في فلسطين"، وزارة العمل، الإدارة العامة للتخطيط، تشرين أول 1997.
25. مها أبو دية، المحامي رجا شحادة. "نحو المساواة والمرأة الفلسطينية"، مصدر سبق ذكره، ص16- 17.
26. آمنة الريماوي، صوت النساء، العدد 43، 2/4/1998.
27. مرفت رشماوي، المرأة والعمل، مؤسسة الحق، 1995، ص265-268.
28. تقرير التنمية البشرية العربي أعوام 2002، 2003. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، 2003
29. صلاح عبد العاطي المرأة والمشاركة السياسية والاجتماعية ، ورقة بحثية مقدمة إلي مؤتمر المرأة والمشاركة السياسية والاجتماعية مؤسسة صوت المجتمع، 2005، دراسة منشورة علي موقع الكاتب في الحوار المتمدن ،http://www.rezgar.com/m.asp?i=492&st=2&ac=1
30. إصلاح جاد، الحركة النسوية الفلسطينية والانتخابات التشريعية، السياسية الفلسطينية، العدد 10، ربيع 1996، ص 19-25.
31. المرأة والعمل والتعليم في فلسطين"، وزارة العمل، الإدارة العامة للتخطيط، تشرين أول 1997.
32. نادر عزت، المرأة والانتخابات، مؤسسة مواطن، رام الله 1998.
33. حسين أبو رمان، المرأة الأردنية وقانون الانتخاب، مركز الأردن الجديد ، مندى شومان، الأردن، آذار 96.
34. جمال زقوت، المرأة والعمل السياسي، شئون المرأة، مجموع أوراق عمل، غزة 2000 ، ص 28-31.
35. الجهاز المركزي للإحصاء. "التقرير الإحصائي للقوى العاملة رقم 88"، تموز 2000، ص 31.



https://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة