الوجع المتقاطع.. لماذا نؤذي من نحب؟



ضيا اسكندر
2026 / 6 / 13

تمهيد
هذه قراءةٌ ثقافية انطباعية، ليست محاكمةً للرجل ولا مرافعةً مطلقة عن المرأة، ولا تدّعي الإحاطة بكل الحالات أو إنكار وجود رجال ونساء يعيشون علاقاتٍ ناضجة ومتوازنة؛ بقدر ما تحاول التوقف عند جذور وجعٍ إنساني تشكّل عبر قرونٍ من التربية الملتبسة، والثقافة المشوّهة أحياناً، والعلاقات التي اختلّ فيها التوازن بين الفهم والاحتواء.

ومن هذا المدخل يبرز سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح: كم من قرنٍ مضى، والثقافة السائدة - التي يشارك في ترسيخها الرجال والنساء على حدّ سواء - تُصرّ، في كثيرٍ من الأحيان، على اختزال المرأة في جسدٍ يُطلب ولا يُسأل، يُشتهى ولا يُفهَم؟ وكم من مرّة وُصِمت الأنثى بالبرود، لأنها رفضت أن تُختزل الرغبة في "واجبٍ منزلي" خالٍ من الحنان أو منفصلٍ عن الاحتواء؟

وجعٌ لا يُرى
ثمة نساء يعتذرن عن القرب لأن أجسادهن أنهكها الألم، ولأن أرواحهن خارت من التعب، ولأنهن يواجهن ضغط الحياة اليومي، بين العمل والمنزل والأمومة والمطالب التي لا تنتهي. حتى غدت اللحظة الحميمة امتداداً لتعبٍ لم يجد من يفهمه. فكيف لجسدٍ مثقل بالإرهاق أن يستجيب كما لو أنه آلة لا تتعب؟ وكيف لقلبٍ يشعر أنه غير مرئي أن يفتح أبوابه بسهولة؟

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود حالات يتحول فيها الامتناع إلى وسيلة ضغط أو عقاب أو ابتزاز عاطفي، وهنا تظهر مسؤولية أخرى لا تقل أهمية: مسؤولية الصدق مع الذات قبل الآخر؛ فليس كل امتناع بطولة، وليس كل رفض صرخة وجع.

لكن المشكلة الأعمق أن الثقافة السائدة كثيراً ما تخلط بين الحالتين، ثم تمنح الرجل مخرجاً جاهزاً لتبرير خيانته أو قسوته تحت شعارات ساذجة من نوع: «هي من دفعتني»، وكأن الجسد الذكري كائن مقدس لا يُحتمل أن يُرفض، وكأن الخيانة خيارٌ وحيد بدل مواجهة جذور الخلل.

وتتكرر الحكاية بصور مختلفة:
زوجةٌ تُدان لأنها طلبت قليلاً من الحنان قبل الجسد، أو رغبت أن يُصغي إليها زوجها قبل أن يلمسها، أو لأنها قالت "لا" ذات مساء وهي منهكة من يوم طويل.
وفي الجهة الأخرى، رجل يستسهل البحث عن "الدفء" في حضن آخر بدل أن يبحث عن الأسباب في البيت الذي تركه يبرد، أو أن يجلس مع نفسه يسألها: لماذا؟ ومتى بدأ هذا الجفاف؟ وهل لي يد فيه؟
وهذه الازدواجية الاجتماعية التي ما تزال حاضرة بوضوح - التي تُبرّر خيانة الرجل أحياناً، وتُدين امتناع المرأة دائماً - هي أحد أكثر الأقنعة الثقافية حاجةً إلى الكسر بوعيٍ وجرأة.

الرجل أيضاً ضحية للصورة النمطية
وقبل أن نمضي، علينا أن ننصف: فالرجل أيضاً يقع ضحية لهذا الوعي المشوَّه؛ إذ يُربّى على أسطورة "الفحل الذي لا يُرفض"، وعلى أن رجولته تُقاس بالسيطرة والإشباع. وحين يُواجَه بالرفض، يتأرجح غالباً بين الصمت القاسي والهروب خارج العلاقة، لأنه نادراً ما تعلّم أن الرفض ليس إهانة، وأن الضعف حالة إنسانية عابرة، وأن الحوار أعمق من المكابرة. المشكلة في جوهرها امتدادٌ لصورةٍ ثقافيةٍ صنعت تعريفاً ضيقاً ومشوّهاً للرجل عن نفسه، رغم وجود محاولات فردية تتجاوز هذا القالب وتبحث عن علاقةٍ أهدأ وأكثر وعياً.

من أين بدأ كل هذا؟
جذور الأزمة أقدم من الخلافات اليومية بين الأزواج. إنها تبدأ منذ الطفولة، حين يُطلب من الفتاة أن تخفض صوتها كي تبدو "مؤدبة"، بينما يُشجَّع الصبي على رفع صوته كي يبدو "رجلاً". هناك تتشكل البذور الأولى لعلاقة غير متوازنة: أنوثة تخاف التعبير، ورجولة تخشى الاعتراف بالضعف.

كم من أمٍّ أعادت إنتاج القسوة الذكورية دون أن تنتبه، حين فضّلت الابن على البنت في أبسط التفاصيل اليومية؟ وكم من أبٍ ظن أن الحنان يضعف هيبته، فربّى أبناءه على الخوف بدل الثقة؟

أما في المدرسة، فقد كانت النصوص تمجّد شجاعة الرجل، والصبر والتضحية في المرأة، وكأنها كُتبت لتكرّس التفاوت لا التكامل. وفي الإعلام، صُوِّرت المرأة غالباً كجميلة تابعة مطيعة، وحتى مع دخولها سوق العمل استمرت تُقدَّم في كثير من الأحيان بوصفها كائناً يسعى إلى رضا الرجل أكثر من سعيه إلى ذاته.

الاقتصاد... الوجه الخفي للعلاقة
ولا يمكن تجاهل أثر العامل الاقتصادي في تشكيل العلاقة بين الرجل والمرأة.
فالسيطرة التاريخية للرجل على الموارد جعلت كثيراً من النساء يعشن داخل دائرة الاعتماد، فتحولت "الحماية" أحياناً إلى شكل ناعم من الوصاية. وحتى اليوم، ما تزال الفجوات في الأجور والفرص قائمة في كثير من المجتمعات، ما يضع المرأة أمام خيارات صعبة بين الاستقلال والاستقرار الأسري.

لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل.
فثمة تغيّر يحدث ببطء: نساء يتعلمن الاستقلال الاقتصادي، ورجال بدؤوا يفهمون أن الشراكة لا تنتقص من رجولتهم، بل تمنح العلاقة توازناً وإنسانية أعمق. وهنا نلمس بارقة أمل تستحق أن تُذكر.

نحو وعي جديد... أكثر رحمة
إن تغيير هذا الواقع يبدأ بإعادة تعريف التربية والرجولة والأنوثة على أسس جديدة: تربية تعلّم الطفل أن القوة في الاحترام، وأن الأنوثة طاقة حية، وأن العلاقة بين الرجل والمرأة شراكة وعي لا صراع أدوار. تربية تعلّم الولد أن الرفض ليس نهاية العالم، وتعلّم البنت أن جسدها ملك لها وليس أمانة في عنقها تخدم بها غيرها.

فالمرأة شريكٌ للرجل وامتدادٌ له، والوجع الذي يطلّ من ملامحها يتقاطع مع ما يعيشه الرجل أيضاً؛ فكلاهما يتعب، ويختبر الرفض والخذلان، ويحتاج إلى الإصغاء والشعور بأنه مرغوبٌ لعمقٍ إنساني يتجاوز الجسد. الإشكال يتجذّر في ثقافةٍ منحت طرفاً حقّ التفسير نيابةً عن الآخر، وتجاهلت أن انسحاب المرأة قد يعكس تعباً، وأن تراجع الرجل قد يعكس حيرةً لا استعلاءً.

حين يتعلم الرجل أن يقترب من زوجته في لحظات حاجتها كما يقترب من ذاته، وتتعلم الزوجة التعبير عن احتياجاتها دون خجل أو اتهام، ويدرك الاثنان أن العاطفة مسؤولية مشتركة لا امتيازاً فردياً، تتحول العلاقة من "واجبٍ مؤدّى" إلى رحمةٍ تُعاش، وشراكةٍ تتسع للحب والتعب والراحة والخلاف والصفاء معاً. فالنساء لا يتمنّعن حين يُفهَمن، والرجال لا يغادرون حين يجدون في بيوتهم حناناً وعدلاً ومساحةً للضعف قبل القوة.
الختام
تغيير ثقافة عمرها قرون لن يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه يبدأ من لحظة وعي صادقة:
حين يدرك الرجل أن الحنان لا ينتقص من رجولته، وتفهم فيها المرأة أن التعبير عن وجعها ليس تمرّداً، ويدرك الاثنان أن الحب ليس امتلاكاً ولا واجباً ميكانيكياً، بل مساحة آمنة يتقاسم فيها البشر ضعفهم قبل قوتهم.
وحين يصبح الإصغاء شكلاً من أشكال الحب، والعدل وجهاً آخر للحنان، يمكن للعلاقات أن تخرج من ذلك البرد الصامت الذي يبدأ صغيراً… ثم يلتهم كل شيء.