الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، الوصمة، و حق الحياة الكريمة – مقال رأي



عمار صالح عباس
2026 / 6 / 14

ليست كل آثار النزاعات المسلحة و الانتهاكات الجماعية تُقاس بعدد القتلى، أو حجم الدمار، أو عدد النازحين. هناك آثار أكثر صمتاً، و أكثر امتداداً في الزمن، لأنها تستقر داخل الأجساد، و العائلات، و الذاكرة الاجتماعية. من بين هذه الآثار قضية الأطفال المولودين نتيجة العنف الجنسي، و هو مصطلح حقوقي أكثر دقة من العبارات الانفعالية التي تختزل الطفل في الجريمة التي سبقت ولادته. هؤلاء الأطفال يولدون نتيجة الاغتصاب، أو الاستعباد الجنسي، أو الحمل القسري، أو علاقات الإكراه في سياق النزاعات و الإبادة و الأسر و سيطرة الجماعات المسلحة على النساء. و المشكلة أنهم لا يولدون فقط بعد جريمة، بل يولدون غالباً داخل بيئة اجتماعية و قانونية مرتبكة: هل يُنظر إليهم كضحايا؟ أم يُربطون بالجاني؟ هل يحميهم القانون؟ أم يُتركون للوصمة و الصمت؟
تبدأ المأساة من أن الطفل يتحول، في نظر بعض المجتمعات، إلى شاهد حي على انتهاك تريد الذاكرة الجماعية تجاوزه أو إخفاءه. الأم ضحية واضحة، و الجاني مجرم واضح، لكن الطفل يُدفع إلى منطقة رمادية لا يملك فيها حق الدفاع عن نفسه. هو لا يحمل ذنب أحد، و لا يختار سياق ولادته، و لا يمتلك أي علاقة أخلاقية أو قانونية بالجريمة. مع ذلك، قد يجد نفسه معاقَباً منذ اللحظة الأولى، لا بسبب فعل ارتكبه، بل بسبب نسب مفترض، أو هوية مفروضة، أو ذاكرة اجتماعية مرتبطة بالعنف. و هنا يصبح الخلل في المجتمع لا في الطفل.
الأرقام، على محدوديتها، تكشف أن القضية ليست حالات فردية نادرة. في بنغلاديش، بعد أحداث عام 1971، تذكر تقديرات واسعة أن ما بين 200,000 و 400,000 امرأة تعرضن للاغتصاب، و أن آلاف حالات الحمل نتجت عن ذلك، مع تقديرات تصل إلى نحو 25,000 حمل. و في رواندا، خلال إبادة عام 1994، تشير الأمم المتحدة إلى تعرض ما بين 100,000 و 250,000 امرأة للاغتصاب خلال نحو ثلاثة أشهر، و تذكر بعض التقديرات أن آلاف الأطفال وُلدوا نتيجة تلك الجرائم، مع أرقام تتراوح غالباً بين 2,000 و 10,000 طفل بحسب منهجية التقدير. هذه الأرقام لا تعرض مأساة النساء وحدهن، بل تكشف أيضاً عن جيل وُلد داخل سؤال قانوني و اجتماعي معقد: كيف يمكن أن يُمنح الطفل حق الحياة الكريمة دون أن يتحول وجوده إلى ملف مسكوت عنه؟
في العراق، أعادت مأساة الإيزيديات طرح القضية بصورة شديدة الحساسية. تشير تقارير أممية إلى أن الأطفال المولودين نتيجة العنف الجنسي، أو المرتبطين بآباء من عناصر التنظيم الإرهابي، واجهوا مشكلات حقيقية في التسجيل المدني، و الحصول على الوثائق، و الوصول إلى الحقوق الأساسية. لقد استُقبلت كثير من النساء الناجيات داخل المجتمع الإيزيدي، و كان ذلك موقفاً مهماً و مشرفاً في سياق إنساني شديد التعقيد، لكن استيعاب المجتمع للأطفال بقي أكثر صعوبة بسبب البنية الدينية و الاجتماعية المغلقة، و بسبب النظر إلى الطفل من جهة الأب لا من جهة الأم. و هكذا وجدت بعض النساء أنفسهن أمام خيار لا إنساني: العودة إلى المجتمع من دون الطفل، أو الاحتفاظ بالطفل مع احتمال العزلة، أو الهجرة بحثاً عن بيئة قادرة على استيعاب الأم و الطفل معاً.
جوهر القضية قانوني بقدر ما هو اجتماعي. إذا لم يمتلك الطفل اسماً، و جنسية، و وثائق، و حقاً في التعليم و الرعاية، فإن الوصمة تتحول إلى عقوبة رسمية غير معلنة. بعض الدول لا تملك آليات مرنة لتسجيل الأطفال مجهولي الأب، أو الأطفال المولودين نتيجة العنف الجنسي في سياق النزاع. و في حالات أخرى، توجد النصوص القانونية، لكنها تُطبّق بطريقة مهينة للأم، أو تتطلب إثباتات مستحيلة، أو تفرض إجراءات تجعل التسجيل نفسه امتداداً للعنف. من دون تسجيل مدني واضح، يصبح الطفل معرضاً للحرمان من المدرسة، و العلاج، و الحماية الاجتماعية، و فرص الاندماج الطبيعي.
ولا ينبغي التعامل مع هذه القضية بوصفها شأناً إنسانياً فردياً فقط، بل بوصفها أيضاً قضية أمن اجتماعي بعيدة المدى. فالطفل الذي يُترك بلا نسب قانوني واضح، و بلا تعليم مستقر، و بلا حماية نفسية، و بلا قبول اجتماعي، لا يبقى فقط ضحية صامتة، بل قد يتحول مع الزمن إلى إنسان غاضب من المجتمع الذي رفضه. و هنا لا يكون الخطر نابعاً من الطفل نفسه، بل من الفراغ الذي يُترك فيه. تشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض و الوقاية منها إلى أن نحو مليار طفل، أي نصف أطفال العالم تقريباً، يتعرضون سنوياً لشكل من أشكال العنف أو الإهمال، و تؤكد الأدبيات الصحية و النفسية أن تجارب الطفولة الضارة ترتبط لاحقاً بارتفاع مخاطر الاضطرابات النفسية، و تعاطي المواد، و السلوك العنيف، و تراجع فرص التعليم و العمل. لذلك فإن إهمال هؤلاء الأطفال لا ينتج مأساة فردية فقط، بل يخلق قابلية اجتماعية لتكرار العنف بأشكال جديدة.
ثمة تطور مهم في بعض التجارب الدولية. في البوسنة و الهرسك، جرى الاعتراف بالأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب في النزاع بوصفهم ضحايا مدنيين، و هو تطور قانوني بالغ الأهمية. قد تبدو الخطوة محدودة من الناحية الإدارية، لكنها تحمل معنى عميقاً: الطفل ليس امتداداً للجاني، بل ضحية مستقلة. و الاعتراف لا يمحو الماضي، لكنه يفتح باب التعويض، و الدعم النفسي، و الاعتراف العام، و يرسل رسالة ضرورية إلى المجتمع: العار ليس على الطفل، و لا على الأم، بل على الجريمة و مرتكبيها.
برأيي المتواضع، إن أخطر ما يمكن أن تفعله المجتمعات بعد النزاعات هو أن تسمح للجريمة بأن تستمر عبر وصم ضحاياها. الطفل المولود نتيجة العنف الجنسي لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى حق واضح في الحياة الكريمة. يحتاج إلى اسم بلا إذلال، و مدرسة بلا تنمر، و قانون لا يسأله عن ذنب لم يرتكبه، و مجتمع قادر على استيعابه لا على عزله. و تحتاج الأم كذلك إلى حماية من الابتزاز الاجتماعي، و من إجبارها على التخلي عن طفلها، و من تحميلها مسؤولية جريمة ارتكبها الآخرون بحقها.
الحل لا يكون بخطاب عاطفي وحده. المطلوب سياسات عملية: تسجيل مدني آمن، حماية قانونية من التمييز، دعم نفسي طويل الأمد للأم و الطفل، حق الأم في عدم التخلي عن طفلها، و برامج جدية لاستيعاب المجتمع للأطفال بدلاً من تركهم في الهامش. فحين نعاقب الطفل على سياق ولادته، فإننا لا نحمي المجتمع؛ نحن نعيد إنتاج العنف داخله، و نسمح للجريمة بأن تعيش جيلاً آخر.