|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عمار صالح عباس
!--a>
2026 / 6 / 22
حين نناقش مشاكل المرأة في العالم العربي، لا يكفي أن نقول إن المرأة تعاني من العادات أو ضعف القانون أو الفقر. هذا توصيف عام، لكنه لا يشرح شيئاً بدقة. المشكلة الحقيقية أن المرأة العربية تعيش داخل بنية متداخلة، فيها قانون لا يحمي دائماً، و اقتصاد لا يمنحها فرصاً كافية، و مجتمع يراقب حركتها أكثر مما يدعم خياراتها. و لذلك تبدو قضايا المرأة في العراق و مصر و تونس مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر: فجوة واضحة بين ما يقال عن التمكين و ما يحدث في الحياة اليومية.
في العراق، تبدو المشكلة أكثر خشونة بسبب تاريخ طويل من الحروب، و النزوح، و ضعف المؤسسات، و عودة العرف العشائري بوصفه سلطة اجتماعية موازية للقانون. المرأة العراقية لا تواجه الدولة فقط، بل تواجه العائلة، و العشيرة، و الخوف من الوصمة، و اقتصاداً لا يفتح لها أبوابه. اذ تشير بيانات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن مشاركة النساء العراقيات في قوة العمل لا تتجاوز 10.9%، مقابل 72.6% للرجال. هذا الرقم لا يعني ضعف رغبة المرأة في العمل، بل يكشف حجم الحواجز التي تفصلها عن الاستقلال الاقتصادي. و في العراق أيضاً، يظهر الزواج المبكر بوصفه أحد أكثر أشكال مصادرة المستقبل. فبحسب بيانات UN Women، فإن 27.9% من النساء العراقيات بعمر أقل من 24 سنة تزوجن قبل سن الثامنة عشرة. و هذا لا يعني زواجاً مبكراً فقط، بل يعني غالباً انقطاعاً عن التعليم، و حملاً مبكراً، و تبعية اقتصادية، و ضعفاً في القدرة على اتخاذ القرار داخل الأسرة. حين تُدفع الفتاة إلى الزواج قبل أن تكتمل أدواتها التعليمية و النفسية، فإن المجتمع لا يبني أسرة مستقرة بقدر ما يعيد إنتاج الهشاشة.
أما مصر، فهي تقدم نموذجاً مختلفاً. الدولة أكثر مركزية، و مؤسساتها أقدم، و حضور النساء في التعليم و الإعلام و الحياة العامة واضح نسبياً، لكن ذلك لم يتحول بالضرورة إلى مساواة عملية. تشير بيانات البنك الدولي لعام 2025 إلى أن مشاركة النساء المصريات في قوة العمل تبلغ نحو 18.5% مقابل 70.5% للرجال. الرقم أعلى من العراق، لكنه يبقى منخفضاً قياساً بحجم التعليم و الكثافة السكانية و حاجة الاقتصاد إلى طاقات جديدة. المفارقة المصرية أن المجتمع يستثمر في تعليم المرأة، لكنه لا يسهّل دائماً انتقالها إلى العمل، خصوصاً مع ضعف خدمات الرعاية، و كلفة الحضانة، و التحرش في المجال العام، و الضغط الاجتماعي الذي يجعل البيت مسؤولية نسائية شبه كاملة. و تتميز الحالة المصرية أيضاً بوجود قضية شديدة الحساسية مرتبطة بالجسد، و هي الختان. هذه ليست عادة بريئة، بل ممارسة تمس حق الفتاة في السلامة الجسدية و الكرامة و الاختيار. و رغم التراجع النسبي و وجود تشريعات تجرّمها، فإن استمرارها في بعض البيئات يكشف أن جسد الفتاة ما زال يُعامل أحياناً بوصفه شأناً اجتماعياً لا حقاً فردياً خالصاً. هنا لا تكون المشكلة في القانون وحده، بل في الثقافة التي تعيد تبرير الانتهاك باسم العفة أو السمعة أو التقاليد.
أما تونس، فهي حالة مختلفة و مهمة لأنها تكشف أن القانون المتقدم لا يكفي وحده. تونس تمتلك تاريخاً قانونياً أكثر تقدماً في قضايا المرأة منذ مجلة الأحوال الشخصية الصادر عام 1956 و الذي دخل حيز التنفيذ في بداية عام 1957، كما أن الزواج المبكر فيها منخفض جداً؛ إذ تشير بيانات UN Women إلى أن 1.5% فقط من النساء بعمر 20–24 سنة تزوجن قبل الثامنة عشرة. و مع ذلك، لا يمكن القول إن مشكلة المرأة التونسية قد حُسمت. فبحسب البنك الدولي، تبلغ مشاركة النساء التونسيات في قوة العمل 26.5% مقابل 64.9% للرجال في 2025. هذا أفضل من العراق و مصر، لكنه ما زال يكشف فجوة عميقة بين تعليم النساء و فرصهن الاقتصادية. الأكثر دلالة في تونس هو بطالة النساء المتعلمات. تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء التونسي إلى أن بطالة النساء في الربع الأول من 2026 بلغت 20.7% مقابل 12.3% للرجال، أما بين خريجي التعليم العالي فقد وصلت بطالة النساء إلى 32.3% في الربع الثالث من 2025 مقابل 14.5% للرجال. هذا يعني أن المرأة التونسية قد تحصل على التعليم، لكنها لا تحصل دائماً على فرصة عادلة في السوق. و هنا تظهر مشكلة عربية أوسع: التعليم لا يتحول تلقائياً إلى استقلال إذا كان الاقتصاد ضعيفاً، و إذا بقيت المؤسسات و بيئة العمل محكومة بتحيزات النوع الاجتماعي.
و رغم اختلاف العراق و مصر و تونس، فإن القاسم المشترك بينها يظهر بوضوح في العمل المنزلي غير المدفوع. في العراق، تقضي النساء و الفتيات بعمر عشر سنوات فأكثر 24.1% من وقتهن في الرعاية و العمل المنزلي غير المدفوع، مقابل 4.2% فقط للرجال. و في مصر تبلغ النسبة 22.4% للنساء مقابل 2.4% للرجال. و في تونس، تقضي النساء و الفتيات بعمر 15 سنة فأكثر 21.9% من وقتهن في هذا النوع من العمل، مقابل 2.7% للرجال. هذه الأرقام تختصر جوهر المسألة: المرأة تعمل كثيراً، لكن جزءاً كبيراً من عملها لا يُرى، و لا يُدفع، و لا يُحتسب في الاقتصاد.
العنف ضد المرأة يمثل وجهاً آخر من الوجوه المشتركة. في مصر، تشير بيانات UN Women إلى أن 15.1% من النساء بعمر 15–49 سنة تعرضن لعنف جسدي أو جنسي من شريك حالي أو سابق خلال سنة واحدة. و في تونس بلغت النسبة 10.1% وفق بيانات 2018. أما في العراق، فإن ضعف التبليغ و الخوف من الوصمة و نقص الحماية يجعل قياس الظاهرة أكثر تعقيداً. و لكن غياب الرقم لا يعني غياب المشكلة؛ في مجتمعات كثيرة، تكون الأرقام الأقل أحياناً نتيجة الصمت لا نتيجة الأمان.
برأيي المتواضع، إن جوهر المشكلة في الدول الثلاث هو أن المرأة لم تُعامل بعد بوصفها فرداً قانونياً و اقتصادياً كاملاً. في العراق، يضغط العرف و ضعف الدولة على خياراتها. في مصر، تصطدم بالتناقض بين التعليم و الجسد الاجتماعي و سوق العمل. في تونس، تواجه فجوة بين القانون المتقدم و الاقتصاد غير القادر على استيعابها. و في الحالات الثلاث، يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل توجد نساء ناجحات؟ بالتأكيد توجد. السؤال الأهم: هل بُنيت الدولة و السوق و الأسرة بحيث تجعل نجاح المرأة أمراً طبيعياً، لا استثناءً يحتاج إلى مقاومة شخصية مضاعفة؟
الحل لا يبدأ بالشعارات. يبدأ بقانون يحمي، و تعليم لا ينقطع، و سوق عمل آمن، و حضانات، و نقل عام محترم، و تجريم فعلي للعنف، و إعادة توزيع عادلة لأعباء البيت. عندها فقط يمكن أن ننتقل من خطاب التعاطف مع المرأة إلى منطق العدالة لها.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|